قصيدة · البسيط · قصيدة عامة

يا قلب كم فيك من دنا محجبة

أبو القاسم الشابي·العصر الحديث·26 بيتًا
1يا قلبُ كمْ فيكَ مِنْ دُنا محجَّبَةٍكأَنَّها حين يبدو فجرُها إرَمُ
2يا قلبُ كمْ فيكَ مِنْ كونٍ قدِ اتَّقَدَتْفيه الشُّموسُ وعاشتْ فوقَهُ الأُممُ
3يا قلبُ كمْ فيكَ مِنْ أُفْقٍ تُنَمِّقُهُكواكبٌ تتجلَّى ثُمَّ تَنْعَدِمُ
4يا قلبُ كمْ فيكَ مِنْ غابٍ ومن جَبَلٍتَدْوي بهِ الرِّيحُ أَو تسمو بهِ القممُ
5يا قلبُ كمْ فيكَ مِنْ كهفٍ قدِ انبجستْمنهُ الجداولُ تجري مَا لها لُجمُ
6تمشي فتحملُ غُصناً مُزهراً نَضِراًأَوْ وَرْدَةً لم تُشَمِّهْ حُسنَها قَدَمُ
7أَو نحلَةً جرَّها التيَّارُ مُنْدَفِعاًإلى البحارِ تُغنّي فوقها الدِّيَمُ
8أَو طائراً ساحراً مَيْتاً قَد انْفجرتْفي مُقْلَتَيْهِ جِراحٌ جمَّةٌ وَدَمُ
9يا قلبُ إنَّكَ كونٌ مُدْهِشٌ عَجَبٌإن يُسأَلَ النَّاسُ عن آفاقِهِ يَجِموا
10كأَنَّكَ الأَبدُ المجهولُ قَدْ عَجَزَتْعنكَ النُّهى واكْفَهَرَّتْ حولكَ الظُّلَمُ
11يا قلبُ كم مِنْ مسرَّاتٍ وأخْيلةٍولذَّةٍ يَتَحَامَى ظِلَّها الألمُ
12غنَّتْ لفجرِكَ صوتاً حالماً فرِحاًنَشْوانَ ثمَّ توارتْ وانقضَى النَّغمُ
13وكم رأى ليلُكَ الأَشباحَ هائمةًمَذْعورةً تتهاوَى حَوْلَها الرُّجمُ
14ورَفْرَفَ الأَلمُ الدَّامي بأجنحةٍمِنَ اللَّهيبِ وأَنَّ الحُزْنُ والنَّدَمُ
15وَكَمْ مشتْ فوقكَ الدُّنيا بأَجمعهاحتَّى توارَتْ وسارَ الموتُ والعدمُ
16وشيَّدَتْ حولكَ الأَيَّامُ أبنيةًمِنَ الأَناشيدِ تُبْنَى ثُمَّ تنهدمُ
17تَمضي الحَيَاةُ بماضيها وحاضرِهاوتذهَبُ الشَّمْسُ والشُّطْآنُ والقِممُ
18وأَنْتَ أَنْتَ الخِضَمُّ الرَّحْبُ لا فَرَحٌيَبْقى على سطحكَ الطَّاغي ولا أَلمُ
19يا قلبُ كم قَدْ تملَّيتَ الحَيَاةَ وَكَمْرقَّصتَها مَرَحاً مَا مسَّكَ السَّأَمُ
20وَكَمْ توَشَّحْتَ من ليلٍ ومن شَفَقٍومِنْ صَباحٍ تُوَشِّي ذيلَهُ السُّدُمُ
21وَكَمْ نَسَجْتَ من الأَحلامِ أَرديةًقَدْ مزَّقَتْها اللَّيالي وهي تَبْتَسِمُ
22وَكَمْ ضَفَرْتَ أَكاليلاً مورَّدَةًطارتْ بها زَعْزَعٌ تدوي وتَحْتَدِمُ
23وَكَمْ رسمتَ رسوماً لا تُشابِهُهاهذي العَوالِمُ والأَحلامُ والنُّظُمُ
24كأَنَّها ظُلَلُ الفِرْدَوْسِ حافِلةًبالحُورِ ثمَّ تلاشتْ واختفى الحُلُمُ
25تبلُو الحَيَاةَ فتبلِيها وتخلَعُهاوتستجدُّ حياةً مَا لها قِدمُ
26وأَنْتَ أَنْتَ شبابٌ خالدٌ نضرٌمثلُ الطَّبيعَةِ لا شَيْبٌ ولا هرَمُ