1يا أرض أندلسَ الخضراءَ حيّينالعلّ روحاً من الحمراءِ تُحيينا
2فيكِ الذخائرُ والأعلاقُ باقيةٌمن الملوكِ الطريدينَ الشّريدينا
3منّا السلامُ على ما فيكِ من رممٍومن قبورٍ وأطلالٍ تصابينا
4لقد أضعناكِ في أيامِ شَقوَتِناولا نَزالُ محبّيكِ المشوقينا
5هذي ربوعُكِ بعدَ الأُنسِ مُوحِشةٌكأننا لم نكن فيها مقيمينا
6من دَمعِنا قد سقيناها ومِن دَمِناففي ثراها حشاشاتٌ تشاكينا
7عادت إِلى أهلها تشتاقُ فتيتَهافأسمعت من غناءِ الحبّ تلحينا
8كانت لنا فعنَت تحت السيوفِ لهملكنّ حاضرَها رسمٌ لماضينا
9في عزّنا حبلت منا فصُورتُنامحفوظةٌ أبداً فيها تعزّينا
10لا بدعَ إن نَشَقَتنا من أزاهرهاطيباً فإنّا ملأناها رَياحينا
11وإن طربنا لألحانٍ تردِّدُهافإنها أخذت عنّا أَغانينا
12تاقت إلى اللغةِ الفصحى وقد حفظتمنها كلاماً بدت فيه معانينا
13إنّا لنذكرُ نُعماها وتذكُرنافلم يضع بيننا عهدُ المحبّينا
14في البرتغالِ وإسبانيّةَ ازدهرتآدابُنا وسمت دهراً مبانينا
15وفي صقلّية الآثارُ ما برحتتبكي التمدُّنَ حيناً والعُلى حينا
16كم من قصورٍ وجنّاتٍ مزخرفةٍفيها الفنونُ جمعناها أفانينا
17وكم صروحٍ وأَبراجٍ ممرّدةٍزدنا بها الملكَ توطيداً وتأمينا
18وكم مساجدَ أَعلَينا مآذنَهافأطلَعت أَنجماً منها معالينا
19وكم جسورٍ عَقَدنا من قَناطِرِهاأقواسَ نصرٍ على نهرٍ يرئّينا
20تلك البلادُ استمدّت من حضارتناما أَبدعَته وأولته أَيادينا
21فيها النفائسُ جاءت من صناعَتِناومن زراعتِنا صارت بساتينا
22فأجدَبَت بعدَنا واستوحَشَت دمناًتصبو إلينا وتبكي من تنائينا
23أيامَ كانت قصورُ الملكِ عاليةًكانَ الفرنجُ الى الغاباتِ آوينا
24وحين كنا نجرُّ الخزَّ أَرديةَكانوا يسيرون في الأسواقِ عارينا
25لقد لبسنا من الأبرادِ أفخرَهالما جَرَرنا ذيولُ العصبِ تزيينا
26وقد ضَفَرنا لإدلال ذوائبَنالما حمينا المغاني من غوانينا
27وقد مَسَحنا صنوفَ الطيبِ في لممٍلما ادّرعنا وأَسرجنا مذاكينا
28كل الجواهر في لبّاتِ نسوتناصارت عقوداً تزيدُ الدرَّ تثمينا
29وأَكرمُ الخيلِ جالت في معاركناوإذ خلا الجو خالت في مراعينا
30تردي وقد علمت أَنّا فوارسهاولا تزالُ لنعلوها وتُعلينا
31زدنا السيوفَ مضاءً من مضاربناومن مطاعننا زدنا القنا لينا
32من للكتائبِ أو من للمواكبِ أومن للمنابرِ إِلا سادةٌ فينا
33جاءت من الملأ الأعلى قصائدُناوالرومُ قد أَخذوا عنا قوافينا
34لم يعرفوا العلَم إِلا من مدارسِناولا الفروسةَ إِلا من مجارينا
35أَعلى الممالكِ داستها جحافِلُناوسرّحت خيلَنا فيها سراحينا
36تلك الجيادُ بأبطالِ الوغى قطعتجبالَ برناتَ وانقضّت شواهينا
37في أرض إفرنسةَ القصوى لها أَثرٌقد زادَهُ الدهرُ إيضاحاً وتبيينا
38داست حوافرُها ثلجاً كما وطئترَملاً وخاضت عباباً في مغازينا
39الشمسُ ما أَشرقت من علوِ مطلعِهاإِلا رأَتنا الى الأوطارِ ساعينا
40كسرى وقيصرُ قد فرَّت جيوشُهماللمرزبانِ وللبطريقِ شاكينا
41حيث العمامةُ بالتيجانِ مزريةٌمن يومِ يرموكَ حتى يومِ حطّينا
42وللعروشِ طوافٌ بالسرير إذاقامَ الخليفةُ يعطي الناسَ تأمينا
43بعدَ الخلافةِ ضاعت أرضُ أندلسٍوما وقى العرب الدنيا ولا الدينا
44الملكُ أصبحَ دَعوى في طوائفهمواستمسكوا بعرى اللّذاتِ غاوينا
45وكلُّ طائفةٍ قد بايعت ملكاًلم يُلفِ من غارة الأسبانِ تحصينا
46وهكذا يفقدُ السلطانُ هيبتَهُإن أكثرَ القومُ بالفوضى السلاطينا
47والرأيُ والبأسُ عندَ الناسِ ما ائتلفوالكن إذا اختلفوا صاروا مجانينا
48تقلّصَ الظلُّ عن جناتِ أندلسٍوحطَّمَ السيفُ ملكَ المستنيمينا
49فما المنازلُ بالباقينَ آهلةٌُولا المساجدُ فيها للمصلّينا
50لن ترجعنَّ لنا يا عهدَ قرطبةٍفكيفَ نبكي وقد جفّت مآقينا
51ذبّلتَ زهراً ومن ريّاك نشوتُناوإِن ذكراك في البلوى تسلينا
52ما كانَ أعظمَها للملكِ عاصمةًوكان أكثرها للعلمِ تلقينا
53لم يبقَ منها ومن ملكٍ ومن خولٍإِلا رسومٌ وأطيافٌ تباكينا
54والدهرُ ما زالَ في آثارِ نعمتِهايروي حديثاً لهُ تبكي أعادينا
55أينَ الملوكُ بنو مروانَ ساستُهايُضحونَ قاضينَ أو يُمسونَ غازينا
56وأينَ أبناءُ عبّادٍ ورونَقُهموهم أواخرُ نورٍ في دياجينا
57يا أيها المسجدُ العاني بقرطبةٍهلا تذكّرُكَ الأجراسُ تأذينا
58كانَ الخليفةُ يمشي بينَ أعمدةٍكأنه الليثُ يمضي في عفرّينا
59إن مالَ مالت به الغبراء واجفةًأو قالَ قالت له العلياءُ آمينا
60يا سائحاً أصبحت حجّاً قيافتُهُقِف بالطلول وسَلها عن ملاهينا
61بعدَ النعيمِ قصورُ الملكِ دارسةٌوأهلُها أصبحوا عنها بعيدينا
62فلا جمالٌ تروقُ العينَ بهجتُهولا عبيرٌ معَ الأرواحِ يأتينا
63صارت طلولاً ولكنّ التي بَقِيَتتزدادُ بالذكرِ بعدَ الحسنِ تحسينا
64تلكَ القصورُ من الزهراءِ طامسةٌوبالتذكُّرِ نبنيها فتنبينا
65على الممالك منها أشرفَت شرفاًوالملكُ يعشقُ تشييداً وتزيينا
66وعبدُ رحمانِها يَلهو بزخرفِهاوالفنُّ يعشقُ تشييداً وتزيينا
67كانت حقيقةَ سلطانٍ ومقدرةٍفأصبحت في البلى وهماً وتخمينا
68عمائمُ العربِ الأمجادِ ما برحتعلى المطارفِ بالتمثيلِ تصبينا
69وفي المحاريبِ أشباحٌ تلوحُ لناوفي المنابرِ أصواتٌ تنادينا
70يا برقُ طالع قصوراً أهلُها رحلواوحيّ أجداثَ أبطالٍ مُنيخينا
71أهكذا كانت الحمراءُ موحشةًإذ كنتَ ترمقُ أفواجَ المغنينا
72وللبرودِ حفيفٌ فوقَ مرمرِهاوقد تضوعَ منها مسكُ دارينا
73ويا غمامَ افتقد جناتِ مرسيةٍوروِّ من زَهرِها ورداً ونسرينا
74وأمطرِ النخلَ والزيتونَ غاديةًوالتوتَ والكرمَ والرمانَ والتينا
75أوصيكَ خيراً بأشجارٍ مقدّسةٍلأنها كلُّها من غرسِ أيدينا
76كنا الملوكَ وكان الكونُ مملكةًفكيفَ صرنا المماليكَ المساكينا
77وفي رقابِ العدى انفلّت صوارمُناواليومَ قد نزعوا منا السكاكينا
78ليست بسالتُنا في الحربِ نافعةًومن براقيلِهم نلقى طواحينا
79فلو فطنّا لقابلنا قذائفَهمبمثلِها وامتنعنا في صياصينا
80واشتدَّ عسكرُنا يحمي منازلناوارتدَّ أسطولُنا يحمي شواطينا
81إذاً لكانوا على بأسٍ ملائكةًوما أتونا على ضعفٍ شياطينا
82فنحنُ في أرضِنا أسرى بلا أملٍوالدارُ كالسجنِ والجلادُ والينا
83شادوا القلاعَ وشدوا من مدافِعهِمما يملأ الأرضَ نيرانا ليفنينا
84بعدَ اعتداءٍ وتدميرٍ ومجزرةٍقالوا أماناً فكونوا مستكينينا
85وكم يقولون إنّا ناصبونَ لكمميزانَ عدلٍ ولم توفوا الموازينا
86تحكَّموا مثلما شاءَت مطامعُهموصيّروا بِيننا التهويلَ تهوينا
87فلا تغرنّ بالآمالِ أنفُسَناوللفرنسيسِ جوسٌ في نواحينا
88هل يسمحون ولو صرنا ملائكةًبأن نصيرَ لهم يوماً مبارينا
89لا يعرفون التراضي في هوادتِناولا سلاحٌ به يخشى تقاضينا
90إن لم تكن حكمةٌ من علمِ حاضرِناأما لنا عبرةٌ من جهلِ ماضينا
91إنَّا نعيش كما عاشت أوائلُناولا نريدُ من الأعلاجِ تمدينا
92إن قدّموا المنّ والسلوى على ضرعٍنختر على العزّ زقوماً وغسلينا
93يا مغربيّةُ يا ذات الخفارةِ ياذات الحجابِ الذي فيه تُصانينا
94صدّي عن العلجِ واستبقي أخا عربٍمن وُلدِ عمِّكِ يهوى الحورَ والعينا
95يا نعمَ أندلسياً كان جَدّكِ فيعهدِ النعيمِ وهذا العهدُ يشقينا
96خذي دموعي وأعطيني دموع أسىطالَ التأسّي وما أجدى تأسّينا
97ذكرُ السعادةِ أبكانا وأرّقناما كنتُ لولا الهوى أبكي وتبكينا
98بكى ابن زيدونَ حيثُ النونُ أنّتُهُولم يزل شعرُهُ يُبكي المصابينا
99كم شاقني وتصبّاني وأطربنيإذ كنتِ ورقاءَ في روضٍ تنوحينا
100ومن دموعكِ هاتيكَ السموطُ حكتأبياتَ نونيّةٍ فيها شكاوينا
101ولاّدةُ استنزفت أسمى عواطِفهِفخلّدَ الحبَّ إنشاداً وتدوينا
102تلكَ الأميرةُ أعطَته ظرافَتَهافأخرجَ الشعرَ تنغيماً وتحنينا
103يا بنتَ عمي وفي القُربي لنا وطرٌصوني المحيا وإن زرناكِ حيينا
104ليلُ الأسى طالَ حتى خلت أنجمَهُبقيّةَ الصبحِ تبدو من دياجينا
105نشتاقُ فجراً من النُّعمَى وظالمُنايقولُ إنّ ضياءَ الفجرِ يؤذينا
106فلنُطلعنَّ إذن صبحَ القلوبِ علىليلِ الخطوبِ وهذا النورُ يكفينا
107أما كفانا بفقدِ الملكِ نائبةًحتى أتانا علوجٌ الرومِ عادينا
108عدا علينا العدى في بَرِّ عَدوتناوقد رضيناهُ منفَى في عوادينا
109فيه الفرنسيسُ ما انفكّت مدافعُهمتمزّقُ العربَ العُزلَ المروعينا
110فوسطَ مرّاكشِ الكبرى لقائِدهمدستٌ وقد شرَّدوا عنها السلاطينا
111وفي الجزائرِ ما يُبكي العيونَ دماًعلى أماجدَ خرُّوا مستميتينا
112وفي طرابلس الغرب استجدَّ لناوَجدٌ قديمٌ وقد ضاعت أمانينا
113وهذه تونسُ الخضراءُ باكيةٌترثي بنيها المطاعيمَ المطاعينا
114من الفرنسيسِ بلوانا ونكبتُنافهل يظلّونَ فينا مستبدّينا
115صهبُ العثانين مع زرقِ العيونِ بدتشؤماً به حدثانُ الدهرِ يرمينا
116فلا رأينا من الأحداقِ زرقَتهالا شَهِدنا من الصهبِ العثانينا
117وا طولَ لهفي على قومٍ منازلُهمتأوي العلوجَ ثقالاً مستخفِّينا
118قد كافحوا ما استطاعوا دونَ حرمتِهاثم استكانوا على ضيمٍ مطيعينا
119لا يملكونَ دفاعاً في خصاصَتِهموينصرونَ الفرنسيسَ الملاعينا
120أعداؤهم قطعوا أوطانهم إرباًفأصبحوا مثلَ أنعامٍ مسوقينا
121هذا لعمري لسخطُ الله أو غضبٌمن النبي على ساهينَ لاهينا
122من ذا يصدّقُ أن التائهين ثبىًكانوا جيوشاً ترى الدنيا ميادينا
123مشوا على ناعمٍ أو ناضرٍ زمناًواليومَ يمشون في الصحراءِ حافينا
124لا طارقٌ يطرق الأعلاجَ من كثبٍوإن دعونا فلا موسى يلبينا
125بالقهر قد أخذوا مسكاً وغاليةًومنهما عوّضونا الوحلَ والطينا
126وأدركوا ثأرَهم في شَنّ غارتِهملما أتونا لصوصاً مُستبيحينا
127في الأرضِ عاثوا فساداً بعد ما شربواخمرَ الحوانيتِ وامتصّوا المداخينا
128فما لنا قوةٌ إِلا بسيّدنامحمدٍ فهو يرعانا ويهدينا
129قد اصطفى بين كل الناسِ أمتهكما غدا المصطفى بين النبيينا
130يا أحمد المرتضى والمرتجى أبداًألستَ من سطواتِ الرومِ تحمينا
131يا أرفعَ الناسِ عند الله منزلةًمتى نرى السيفَ مسلولاً ليشفينا