قصيدة · الطويل · شوق
تذكرت في الحمراء عهد الصبوة
1تذكّرت في الحمراءِ عهد الصبوَّةِوما كان فيه من نعيمٍ وبهجةِ
2فقلتُ وقد شقَّ الغمامةَ كوكبٌسلامٌ على عشرين عاماً تولّت
3تولّت ولم أشعر بها كضميمةٍعلى خصرِ ليلى عطّرت خيرَ ليلة
4فلم يبقَ إِلا عطرُها وذبولهاولم يبقَ لي إلا شعوري وصفرتي
5سأذكرُ من ليلى لياليَّ والهوىيمزِّقُ من أثوابِ صبري وعفتي
6وما زالَ هذا القلبُ في الحبّ ذائباًولكنّه جلدٌ على كلّ شدَّة
7أرى الحبَّ قتالاً وأقتل كتمُهفداوِ بوصلٍ داءَه أو بسلوة
8وإلا فقدّم للغرام ضحيةًوعينُ التي تهوى تضنُّ بدمعة
9جميلٌ لئن تعشق بثينةَ تُشِقهاوتَشقَ لأن الحبّ قبرُ الشبيبة
10فليسَ لأهلِ العشقِ أمنٌ وراحةٌوأمنيّةُ العشّاقِ عندَ المنيّة
11نصحتُك فاسمع يا أُخَيَّ فإننيأرى الدّهرَ نبّاشاً قبورَ الأحِبَّة
12يُذَبّلُ أزهارَ الشبابِ بنفحةٍويطفئُ أنوارَ الغرامِ بنفخة
13سَلِ الطيرَ هل تبقى لها وُكناتُهاسَلِ الوَرَقَ المنثورَ في كلّ روضة
14تُجبكَ ليالي الطيّباتِ قصيرةٌكأحلامِها تمضي على حين غفلة
15ولكنَّ ليلاتِ الشّقاءِ طويلةٌوفيهنَّ تهوي نجمةٌ بعد نجمة
16أرى السعدَ وهماً والشقاءَ حقيقةًفما كان أشقانا بحكم الحقيقة
17فكم بسمةٍ تبدو سريعاً وتمّحيوكم دمعةٍ تكوي الفؤادَ كجمرة
18إذا شكرت نفسي حلاوةَ ساعةٍشكت بعدها لهفى مرارةَ حجة
19هو الحبُّ فيهِ كلُّ ذكرى أليمةٍعلى فقدِ أعلاقِ وأحزانِ وحشة
20فنلهبُ أذيالَ الظلامِ بزفرةٍونخرقُ طيّاتِ السكونِ بأنّة
21لكِ العزُّ يا دار الحبيبةِ هل لناهدوءٌ إذ لم تُسعدينا بزَورة
22نذوبُ على الوجه الذي تحجُبينهونقنعُ إن عزَّ اللقاءُ بنظرة
23ونشتاقُ وصلاً والحياءُ يردّنافنرجعُ عن بردِ المياهِ بحرقة
24لئن كان في قفر نرىَ الفقرَ جنّةًفجنَّتنا من بسمةٍ فوقَ وجنة
25إذا ما مرَرنا حيثُ مرَّت حبيبةٌوحيثُ رأيناها وحيثُ استقرّت
26تُنازع هذي النفسُ حتى نخالهامفارقةَ للجسمِ في كلّ صبوة
27ويضعفُ هذا القلبُ حتى نظنَّهُتساقطَ منا فلذةً إثر فلذة
28ونسمعُ همسَ الطّيفِ في كلّ خلوةٍوننشقُ عطرَ الثَّوبِ في كلّ هبّة
29كذلكَ حبّي ذقتهُ فأذابنيوسالت على حبر القصائدِ مُهجتي
30أنا الكوكبُ السيارُ في ليلةِ النّوىتُنيرُ سبيلَ التائهين أشعَّتي
31أنا البلبلُ الصفّارُ في روضةِ الهوىتطير قلوبُ العاشقين لصفرتي
32أنا العنبرُ الفوَّاحُ في كل مجلسٍتُعطِّرُ أثوابَ الحرائرِ نفحتي
33أنا العاشق العفّافُ في كلّ خلوةٍتركتُ العذارى معجباتٍ بعفتي
34أنا المزهرُ الرنّانُ في كفّ مُطربٍملائكةُ الجنّاتِ تشتاقُ رنتي
35أنا ما أنا إِلا فؤادٌ معذَّبٌونفسٌ ترى في الموتِ أكبرَ لذَّة
36فما للعدى يستقبحونَ محاسنيولا ذنبَ لي إلا علائي وقدرتي
37هجرتُ بلادي في السياحةِ راغباًوكم فوق بحرِ الرومِ من دمعِ غربة
38ولما بدت تلك السواحلُ فجأةًتفجّرَ شعري من حُبوري ودَهشتي
39فحييتُها مع طلعةِ الصّبحِ والهوىيفيضُ على قلبي وثغري ومُقلتي
40فكم شاعرٍ فيها تبسّمَ أو بكىوقد جاءَها في نزهة أو عبادة
41وكم ثم قلباً طارَ حباً وصبوةًورأساً غدا يحنى لمجدٍ وعزّة
42على بحرِها العمرانُ والنضرُ والغِنىوقد كملت فيها صنوفُ الحضارة
43وما بحرُنا إلا مرائي طلولِناكذا الدهرُ يمحو كلَّ حسنٍ بلمسة
44فقلتُ ولم أنفكّ للحسنِ عابداًأُروّي حِماه من دموعي الصفيّة
45ألا يا بلادَ العِلم والفنّ والهوىإِلى شاعر أوحى أرقّ قصيدة
46بألطفِ ترنيمٍ وأبهى طبيعةٍوأجملِ تمثالٍ وأكملِ صورة
47سلامٌ على أهلِ التمدّنِ إنّ ليبمنظرهم تجديد عزمٍ وقوة
48لقد كانتِ الأرواحُ من شعرائهملتَمزيقِ أكفانٍ وتنوير ظلمة
49لضَربهم انفكّت قيودٌ ثقيلةٌوهدَّم سورَ الظلمِ ترديدُ صيحة
50وأوطانهم من نارِ شعرهم التَظتوقد ضَربت بالسيفِ حتى استقلّت
51فعادَ إليها مجدُها ونعيمُهاوإنّ المعالي بينَ سيفٍ وراية
52ولما رأيتُ الناسَ يبنونُ مجدهمبكيتُ على آثارنا العربيّة
53نما زَهرهم في روضِهم متجدداًوقد يبست أزهارُنا بعد نضرة
54لهم كلَّ يومٍ غزوةٌ وغنيمةٌونحنُ حَيارى بين ذكرى وعبرة
55لئن كان في الحريةِ الحلوة الرَّدىفيا حبذا موتي لتحرير أمتي
56بني أمِّ هل من نهضةٍ عربيةٍلصيحاتها يهتزُّ ركنُ البرية
57فواللهِ لا حريةٌ مُستطابةٌإذا لم تكن من قوةٍ أدبية