الشعراءالعصورالبحورالأغراض
إنشاء حساب · قريباً
القصيد

منصّةٌ مفتوحةٌ للشعر العربي — ورقيّةٌ في روحها، رقميّةٌ في صفحتها.

تصفّح
العصورالشعراءالبحورالأغراض
قصيدة · الرجز · قصيدة عامة

سبحان من لم تحوه أقطار

ابن عبد ربه·العصر العباسي·440 بيتًا
1سُبحانَ مَن لم تَحوِه أَقطارُولم تكنْ تُدركُهُ الأَبصارُ
2وَمن عَنت لوجهه الوجوهُفما له نِدٌّ ولا شَبيهُ
3سبحانَه مِن خالقٍ قديرِوعالمٍ بِخلْقهِ بَصيرِ
4وأَوَّلٍ ليس له ابتداءُوآخِرٍ ليس له انتهاءُ
5أَوْسَعنا إحسانُه وفضلُهُوعَزَّ أَن يكونَ شيءٌ مثلُهُ
6وجَلَّ أَنْ تُدْركَهٌ العُيونُأَو يَحْوياه الوَهم والظُّنونُ
7لكنَّه يُدرَك بالقَريحَهوالعَقلِ والأَبْنيةِ الصَّحيحَه
8وهذه مِن أثبتِ المعارفْفي الأَوْجهِ الغامضَةِ اللَّطائفْ
9مَعْرفةُ العَقْل من الإنسانِأثبتُ من مَعرفةِ العِيانِ
10فالحمْدُ للَّهِ على نَعْمائِهِحمداً جزيلاً وعلى آلائِهِ
11وبعدَ حَمْدِ اللَّه والتَّمجيدِوبعد شُكرِ المُبدئِ المُعيدِ
12أقولُ في أَيامِ خيرِ الناسِومَن تحلَّى بالنَّدى والباسِ
13ومن أبادَ الكُفرَ والنِّفاقاوشَرَّد الفتْنة والشِّقاقا
14ونحنُ في حَنادسٍ كاللّيلِوفتنةٍ مثلِ غُثاءِ السَّيلِ
15حتى تولَّى عابدُ الرحمنِذاكَ الأَغرُّ من بني مروانِ
16مُؤيَّدٌ حَكّمَ في عُداتِهسيفاً يَسيلُ الموتُ من ظُباتِهِ
17وصَبَّحَ المُلكَ معَ الهلالِفأصبحَا نِدَّيْنِ في الجمالِ
18واحتملَ التَّقوى على جَبينهِوالدينَ والدُّنيا على يمينهِ
19قد أَشرقتْ بنُورهِ البلادُوانقطعَ التَّشغيبُ والفسادُ
20هذا على حينَ طغَى النِّفاقُواستفحلَ النُّكّاثُ والمُرَّاقُ
21وضاقتِ الأَرضُ على سُكانِهاوأذْكتِ الحربُ لظَى نيرانِها
22ونحنُ في عَشواءَ مُدلهمَّهْوظُلمةٍ ما مثلُها مِن ظُلمهْ
23تأخذُنا الصَّيحةُ كُلَّ يومِفما تَلذُّ مُقْلةٌ بنَوْمِ
24وقد نُصلِّي العيدَ بالنواظِرِمخافةً من العدوَّ الثائِرِ
25حتى أتانا الغوثُ من ضِياءِطَبَّقَ بينَ الأَرْضِ والسماءِ
26خَليفةُ اللَّهِ الَّذي اصطفاهُعلى جميع الخَلقِ واجْتباهُ
27من مَعدنِ الوحيِ وبَيْتِ الحكمَهْوخيْرِ منسوبٍ إلى الأئمَّهْ
28تَكِلُّ عن مَعروفهِ الجنائبُوتَسْتحي من جُوده السَّحائبُ
29في وجههِ من نُورهِ برهانُوكفُّه تقْبيلُها قُرْبانُ
30أَحْيا الّذي ماتَ منَ المَكارِمِمن عَهدِ كعْبٍ وزمانِ حاتِمِ
31مَكارمٌ يَقصُرُ عنها الوَصْفُوغُرَّةٌ يَحْسرُ عنها الطَّرفُ
32وشِيمةٌ كالصَّابِ أَو كالماءِوهِمَّةٌ ترقَى إِلى السَّماءِ
33وانظرْ إلى الرفيعِ من بُنيانِهِيُريكَ بِدْعاً من عَظيم شَانِهِ
34لو خايل البحرُ نَدَى يَديهِإذا لجَت عُفاتُهُ إليهِ
35لغاضَ أَو لكادَ أَن يَغِيضاولاسْتَحى من بعدُ أَنْ يَفيضا
36مَن أَسبغَ النُّعمى وكانتْ مَحْقَاوفتَّق الدُّنيا وكانتْ رَتْقا
37هو الذي جمَّع شَمْلَ الأُمَّهْوجابَ عنها دامِساتِ الظُّلمَهْ
38وجَدَّدَ المُلكَ الذي قد أَخْلَقاحتى رَسَت أَوتادُهُ واسْتَوسقا
39وجَمَّعَ العُدَّةَ والعَدِيداوكَثَّفَ الأَجْنادَ والحُشودا
40ثم انتحَى جَيَّانَ في غَزاتهِبِعَسْكرٍ يَسْعرُ مِن حُماتِهِ
41فاستنزلَ الوحشَ مِنَ الهضابِكأَنَّما حُطَّتْ منَ السَّحابِ
42فأَذعنتْ مُرَّاقُها سِراعَاوأَقبلتْ حُصونُها تَداعَى
43لمَّا رماها بسُيوفِ العَزْمِمَشْحوذةٍ على دُروعِ الحَزْمِ
44كادتْ لها أَنفُسُهُمْ تَجودُوكادتِ الأَرضُ بهم تَميدُ
45لولا الإِلهُ زُلزلتْ زِلزالَهاوأَخْرَجتْ من رَهْبةٍ أَثقالَها
46فأَنزلَ الناسَ إلى البَسيطِوقَطَّعَ البَيْنَ منَ الخَليطِ
47وافتَتَحَ الحُصونَ حِصناً حِصناوأَوْسعَ الناسَ جميعاً أَمْنا
48ولم يَزلْ حتى انْتَحى جَيَّانافلم يَدَعْ بأَرْضِها شَيطانا
49فأصبحَ الناسُ جميعاً أُمَّهقد عقَد الإِلَّ لهم والذِّمَّه
50ثم انتَحى من فَورهِ إِلْبيرَهْوهي بِكلَّ آفةٍ مَشهورَهْ
51فداسَها بِخَيلهِ ورَجْلهِحتى تَوطَّا خَدَّها بِنَعْلهِ
52ولم يَدَعْ من جِنِّها مَرِيدابِها ولا من إِنسها عَنيدا
53إِلا كَساهُ الذُّلَّ والصَّغاراوعَمَّهُ وأَهلهُ دَمارا
54فما رأيتُ مثلَ ذاكَ العامِومثلَ صُنعِ اللَّه للإِسلامِ
55فانصرفَ الأميرُ من غَزاتِهِوقد شَفاهُ اللَّهُ من عُداتهِ
56وقبلَها ما خَضعتْ وأذعنتْإِستِجةُ وطالما قد صَنعتْ
57وبعدها مدينة الشِّنِّيلِما أَذعنتْ للصَّارمِ الصَّقيلِ
58لما غَزاها قائدُ الأَميرِباليُمنِ في لِوائهِ المنْصورِ
59فأسلمتْ ولم تكنْ بالمُسلمةْوزالَ عنها أَحمدُ بنُ مَسْلمهْ
60وبعدَها في آخرِ الشُّهورِمن ذلك العامِ الزَّكيِّ النُّورِ
61أَرْجفتِ القِلاعُ والحُصونُكأَنَّما ساوَرَها المَنُونُ
62وأقبلتْ رجالُها وُفوداتبْغِي لدَى إِمامها السُّعودا
63وليسَ مِن ذِي عزَّة وشدَّهإلا توافَوا عندَ بابِ السُّدَّه
64قلُوبُهمْ باخعَةٌ بالطَّاعهْقد أَجْمعوا الدُّخولَ في الجَماعَهْ
65ثم غزا في عُقبِ عامٍ قابلِفجالَ في شَذُونةٍ والسَّاحلِ
66ولو يَدَعْ رُيَّةَ والجزيرَهْحتى كوَى أَكلبَها الهريرَهْ
67حتى أناخ في ذُرى قرْمونَهبكَلْكلٍ كَمُدْرهِ الطَّاحُونَه
68على الذي خالفَ فيها وانتزَىيُعْزَى إلى سَوادةٍ إذا اعتزَى
69فسالَ أن يُمهلَهُ شُهوراثم يكونُ عبدهَ المأمُورا
70فأَسعفَ الأميرُ منهُ ما سألْوعادَ بالفَضْلِ عليهِ وقَفلْ
71كانَ بها القُفولُ عندَ الجيَّهمن غَزْو إِحدى وثلثميَّه
72فلم يَكنْ يُدرَكُ في باقيهاغزْوٌ ولا بَعْثٌ يكونُ فيها
73ثُمَّتَ أغزى في الثلاثِ عَمَّهْوقد كساهُ عَزْمَه وحزْمهْ
74فسارَ في جَيْشٍ شديدِ الباسِوقائدُ الجيْش أَبو العبَّاسِ
75حتى تَرقَّى بذُرى بُبَشْتَروجالَ في ساحاتها بالعسكرْ
76فلم يَدَع زَرْعاً ولا ثمارالهم ولا عِلقاً ولا عُقارَا
77وقطَّع الكُرومَ منها والشجرْولم يُبايع عِلجُها ولا ظهَرْ
78ثم انثنى من بعدِ ذاكَ قافلاوقد أَبادَ الزَّرعَ والمآكِلا
79فأيقنَ الخِنزيرُ عِنْدَ ذاكاأَنْ لا بقاءَ يُرتَجى هُناكا
80فكاتَبَ الإمامَ بالإِجابَهوالسَّمْعِ والطَّاعةِ والإنابَه
81فأخْمدَ اللَّهُ شِهابَ الفِتْنهوأَصْبحَ الناسُ معاً في هُدْنه
82وارتعتِ الشاةُ معاً والذِّيبُإِذْ وَضعتْ أوزارَها الحرُوبُ
83وبعدها كانتْ غَزاةُ أَرْبعِفأيَّ صُنْعٍ ربُّنا لم يَصْنَعِ
84فيها ببَسْطِ المَلِك الأَوَّاهكِلتْا يَديه في سَبيلِ اللّهِ
85هذا إلى الثَّغرِ وما يليهِعلى عدوِّ الشِّركِ أو ذويهِ
86وذا إلى شُمِّ الرُّبا من مُرْسِيَهوما مَضى جرى إلى بَلَنسيَه
87فكانَ مَن وَجَّهه للساحلِالقرشيُّ القائدُ القنابلِ
88وابنُ أَبي عَبْدةَ نحوَ الشِّرْكِفي خَيْرِ ما تَعبيةٍ وشكِّ
89فأقبلا بكُلِّ فَتْحٍ شاملِوكُلِّ ثكلٍ للعدوِّ ثاكلِ
90وبعدَ هذي الغَزوةِ الغَرَّاءِكانَ افتتاحُ لَبْلةَ الحَمْراءِ
91أغزَى بجُندٍ نحوَها مَولاهُفي عُقبِ هذا العامِ لا سواهُ
92بَدراً فضمَّ جانبَيْها ضمَّهوغَمَّها حتَّى أجابتْ حُكمَه
93وأسْلمتْ صاحبَها مَقهوراحتى أتى بدرٌ به مَأسُورا
94وبعدَها كانتْ غَزاةُ خَمْسِإلى السَّوَاديِّ عقيدِ النَّحْسِ
95لما طَغى وجاوزَ الحُدوداونَقضَ الميثاقَ والعُهودا
96ونابذَ السُّلطانَ مِن شَقائهِومِن تَعدِّيه وسُوءِ رائِهِ
97أَغزى إِليه القُرشيَّ القائداإذ صارَ عن قَصْدِ السبيلِ حائدا
98ثُمَّتَ شَدَّ أَزرَهُ ببَدْرِفكانَ كالشَّفعِ لهذا الوتْرِ
99أحذَقَها بالخيلِ والرِّجالِمُشمِّراً وجدَّ في القتالِ
100فنازلَ الحِصْنَ العظيمَ الشانِبالرَّجلِ والرُّماةِ والفُرسانِ
101فلم يَزل بدرٌ بها محاصراكذا على قِتاله مُثابرَا
102والكلبُ في تهوُّرٍ قدِ انغمَسْوضُيِّقَ الحَلْقُ عليهِ والنَّفَسْ
103فافترقَ الأصحابُ عن لوائهِوَفَتحوا الأبوابَ دونَ رائهِ
104واقتحم العَسكرُ في المدينَهوهُو بها كهيْئةِ الظعينَهْ
105مُسْتسلماً للذُّلِّ والصَّغارِومُلقِياً يَديهِ للإسارِ
106فنزَعَ الحاجبُ تاجَ مُلْكِهِوقادَه مُكَتَّفاً لِهُلْكِهِ
107وكانَ في آخِرِ هذا العامِنَكْبُ أَبي العبَّاسِ بالإسلامِ
108غَزا وكانَ أَنجدَ الأَنجادِوقائداً من أَفحلِ القُوَّادِ
109فسارَ في غيْرِ رجالِ الحَرْبِالضَّاربينَ عند وَقْتِ الضَّربِ
110مُحارباً في غيرِ ما مُحاربِوالحشَمُ الجُمهورُ عندَ الحاجبِ
111واجتمعتْ إِليه أَخلاطُ الكُوَرْوغابَ ذو التَّحصيلِ عنهُ والنَّظرْ
112حتى إذا أَوْغلَ في العَدُوِّفكانَ بينَ البُعدِ والدُّنوِّ
113أَسلمهُ أهلُ القُلوبِ القاسِيهْوأَفْردوهُ للكِلابِ العاويهْ
114فاستُشهدَ القائدُ في أَبْرارِقد وَهَبوا نُفوسَهم للبارِي
115في غير تَأخيرٍ ولا فِرارِإلا شديدَ الضَّربِ للكُفّارِ
116ثم أَقادَ اللَّهُ من أعْدائهِوأَحْكَم النصرَ لأوْليائهِ
117في مَبدأ العامِ الذي مِن قابلِأَزْهقَ فيهِ الحقُّ نَفْسَ الباطلِ
118فكان مِن رأيِ الإمامِ الماجدِوخَيْرِ مَولودٍ وخَيْرِ والدِ
119أَنِ احتَمى بالواحِدِ القهَّارِوفاضَ مِن غَيظٍ على الكُفَّارِ
120فجمَّعَ الأجنادَ والحُشودَاونَفَّرَ السَّيِّدَ والمَسودَا
121وحَشَرَ الأطرافَ والثُّغورَاورَفضَ اللَّذاتِ والحُبورَا
122حتَّى إذا ما وَفتِ الجنُودُواجتمَعَ الحُشَّادُ والحُشودُ
123قَوَّدَ بدراً أمرَ تلك الطائفَهْوكانتِ النَّفسُ عليه خائفَهْ
124فسارَ في كَتائبٍ كالسَّيلِوعَسكَرٍ مِثلِ سَوادِ اللَّيلِ
125حتَّى إذا حَلَّ على مُطْنيَهوكانَ فيها أخبثُ البريَّهْ
126ناصبَهم حرباً لها شَرارُكأنَّما أُضرِمَ فيها النارُ
127وجدَّ من بينهِمُ القتالُوأحْدقتْ حولَهمُ الرجالُ
128فحاربُوا يومَهمُ وباتُواوقد نَفتْ نومَهمُ الرُّماةُ
129فهم طَوالَ الليلِ كالطَّلائحِجراحُهم تَنْغل في الجوارحِ
130ثمَّ مَضَوْا في حَرْبهم أيّاماحتَّى بدا الموتُ لهم زُؤاما
131لمّا رأَوا سحائبَ المَنيَّهتُمطِرُهم صَواعِق البليّه
132تَغَلْغَلَ العُجمُ بأرضِ العُجمِوانحشَدوا مِن تحتِ كُلِّ نجمِ
133فأقبلَ العِلْجُ لهم مُغِيثَايومَ الخَمِيسِ مُسْرعاً حَثِيثا
134بين يديهِ الرَّجلُ والفَوارسُوحولَهُ الصُّلبانُ والنَّواقسُ
135وكان يَرجُو أنْ يُزيل العَسْكراعن جانبِ الحِصْن الذِي قد دُمِّرا
136فاعتاقَه بدرٌ بمن لَديهِمُستبصِراً في زَحْفِهِ إِليهِ
137حتى التَقتْ مَيْمنةٌ بمَيْسرَهواعتنَّتِ الأرْواحُ عندَ الحنْجره
138ففازَ حِزْبُ اللَّهِ بالعِلْجانِوانهزمتْ بِطانةُ الشَّيطانِ
139فقُتِّلوا قتلاً ذَرِيعاً فاشياوأَدبر العِلْجُ ذَمِيماً خازيا
140وانصَرفَ الناسُ إلى القُلَيعَهفصبّحوا العَدوَّ يومَ الجُمعه
141ثم التقى العِلْجانِ في الطَّريقالبَنْبلونيُّ مع الجِلِّيقي
142فأعقَدا على انتهابِ العَسكرِوأَن يَموتا قبلَ ذاكَ المحْضرِ
143وأَقْسما بالجبْتِ والطَّاغوتِلايُهْزَما دونَ لِقاءِ الموْتِ
144فأَقبلوا بأَعظم الطُّغيانِقد جَلَّلوا الجِبالَ بالفُرسانِ
145حتى تَداعى الناسُ يومَ السبتِفكانَ وقتاً يا لَهُ من وقْتِ
146فأُشرعتْ بَينهمُ الرِّماحُوقد علا التَّكبيرُ والصِّياحُ
147وفارقتْ أَغمادَها السُّيوفُوفَغرتْ أفواهَا الحتُوفُ
148والتقتِ الرِّجالُ بالرِّجالِوانغمَسوا في غَمْرةِ القتالِ
149في مَوْقفٍ زاغتْ به الأبصارُوقَصُرت في طُولهِ الأَعمارُ
150وهبّ أهلُ الصَّبرِ والبَصائرِفأوعَقوا على العدوِّ الكافرِ
151حتى بدتْ هزيمةُ البَشكنسِكأَنَّهُ مُخْتضبٌ بالوَرْسِ
152فانقضَّتِ العقبانُ والسَّلالقهْزَعْقاً على مُقدَّم الجلالِقهْ
153عِقبانُ موتٍ تخطفُ الأرواحاوتُشبعُ السيوفَ والرِّماحا
154فانهزمَ الخِنزيرُ عندَ ذاكاوانكشفتْ عَورتُه هناكا
155فقُتِّلوا في بَطنِ كلِّ وادِيوجاءتِ الرُّؤوسُ في الأعْوادِ
156وقَدَّم القائدُ ألفَ راسِمِن الجَلاليق ذَوي العمَاسِ
157فتمَّ صُنعُ اللَّهِ للإسلامِوعَمَّنا سرورُ ذاكَ العامِ
158وخيرُ ما فيهِ من السُّرورِموتُ ابن حَفْصونَ به الخنزيرِ
159فاتَّصلَ الفتحُ بفتحٍ ثانِوالنَّصرُ بالنَّصرِ من الرحمنِ
160وهذه الغزاةُ تُدعى القاضِيَهوقد أتَتهمْ بعد ذاك الدَّاهِيه
161وبعدها كانت غزاةُ بَلدهوهِي التي أوْدَتْ بأهلِ الرِّدَّه
162وبَدْؤها أَنَّ الإمامَ المصطفىأصدقَ أهلِ الأرضِ عدلاً ووَفَا
163لما أَتتْهُ ميتةُ الخِنْزيرِوأَنه صارَ إلى السَّعيرِ
164كاتَبَه أَولادُه بالطاعَهْوبالدُّخولِ مَدْخلَ الجماعه
165وأنْ يُقِرَّهم على الولايَهْعلى دُرورِ الخَرْجِ والجِبايَهْ
166فاختارَ ذلك الإمامُ المُفْضِلُولم يَزَل مِن رأيهِ التفضُّلُ
167ثمَّ لَوى الشَّيطانُ رأسَ جَعفرِوصارَ منهُ نافخاً في المُنخُرِ
168فَنقَضَ العُهودَ والميثاقاواستعملَ التَّشْغِيبَ والنِّفاقا
169وضَمَّ أهلَ النُّكْث والخلافِمن غيرِ ما كافٍ وغيرِ وافِ
170فاعتاقه الخليفةُ المُؤيَّدُوهو الذي يُشقَى به ويُسْعَدُ
171ومَنَ عليهِ مِن عُيونِ اللَّهِحوافظٌ من كُلِّ أمرٍ داهي
172فَجَنَّدَ الجُنودَ والكتَائباوقَوَّدَ القُوَّادَ والمقَانبا
173ثم غَزا في أَكثرِ العديدِمُسْتَصحبَاً بالنَّصرِ والتَّأييدِ
174حتَّى إذا مَرَّ بِحصْنِ بَلدَهخَلَّفَ فيهِ قائداً في عِدَّهْ
175يَمنعُهم مِن انتشارِ خَيلهمْوحارساً في يَومِهم ولَيلهِمْ
176ثمَّ مَضى يستنزِلُ الحُصوناويَبعثُ الطِّلاعَ والعُيونا
177حتى أَتاهُ باشِرٌ من بَلَدَهْيعدو برأَسِ رأسِها في صَعدَهْ
178فقدَّمَ الخيْلَ إليها مُسرعاًواحتلَّها مِن يومهِ تَسرُّعا
179فحفَّها بالخيْلِ والرُّماةِوجُملةِ الحُماةِ والكُماةِ
180فاطَّلعَ الرَّجْلُ على أَنْقابهاواقتحمَ الجُنْدُ على أَبوابِها
181فأَذَعنتْ ولم تَكُن بمُذعِنَهْواسْتسلمتْ كافرةٌ لمؤمنَهْ
182فقُدِّمتْ كُفّارُها للسَّيفِوقُتِّلوا بالحَقِّ لا بالحَيفِ
183وذاكَ منْ يُمنِ الإمام المُرتَضَىوخيرِ مَنْ بَقي وَخَيرِ مَنْ مَضَى
184ثمّ انتَمى مِن فَورِهِ بِبُشتَرافلم يدعْ بها قضيباً أخضرا
185وحَطَّمَ النَّباتَ والزُّروعاوهَتكَ الرِّباع والرُّبوعا
186فإِذْ رأى الكلبُ الذي رآهُمن عَزْمهِ في قَطْع مُنْتواهُ
187أَلقَى إليهِ باليدين ضارعاوسالَ أَن يُبْقى عليهِ وادِعا
188وأَنْ يكونَ عاملاً في طاعتِهْعلى دُرورِ الخَرْجِ مِن جِبايتِهِ
189فَوَثَّقَ الإمامُ من رِهانِهْكيلا يكونَ في عمىً من شانِهْ
190وقَبِلَ الإمام ذاكَ مِنْهُفضلاً وإحساناً وسارَ عنهُ
191ثمَّ غزا الإمامُ دارَ الحَرْبِفكانَ خَطباً يا لهُ من خَطبِ
192فحُشِّدت إليهِ أَعلامُ الكُوَرْومَن لَهُ في النَّاسِ ذِكرٌ وخطَرْ
193إلى ذَوي الدِّيوانِ والرَّاياتِوكُلِّ مَنْسوبٍ إلى الشَّاماتِ
194وكُلِّ مَن أَخلصَ للرّحمنِبطاعةٍ في السرِّ والإعلانِ
195وكُلّ من طاوعَ في الجهادِأَو ضمَّهُ سَرْجٌ على الجيادِ
196فكانَ حشداً يا لهُ من حَشدِمن كل حُرٍّ عندنا وعبدِ
197فتحسبُ النَّاسَ جراداً منتشرْكما يقولُ ربُّنا فيمن حُشِرْ
198ثم مَضى المُظَفَّرُ المنصورُعلى جَبِينه الهدى والنُّورُ
199أَمامَهُ جُندٌ من الملائكهْآخذةٌ لربِّها وتاركهْ
200حتَّى إذا فَوَّزَ في العَدوِّجنَّبهُ الرحمنُ كُلَّ سَوِّ
201وأَنزلَ الجزيةَ والدَّواهِيعلى الذينَ أَشركوا باللّهِ
202فزُلزلتْ أَقدامُهم بالرُّعبِواستُنْفِروا مِن خَوفِ نارِ الحَرْبِ
203واقَتَحموا الشِّعابَ والمَكامِناوأَسْلموا الحُصونَ والمَدائِنا
204فما بقي من جَنَباتِ دُورِمِن بَيعةٍ لراهبٍ أو دَيْرِ
205إِلا وقد صَيَّرها هَباءَكالنَّارِ إذ وافَقتِ الآباءَ
206وزَعزعتْ كتائبُ السلطانِلكُلِّ ما فِيها منَ البُنْيانِ
207فكانَ مِن أَوَّلِ حصْنٍ زعْزعُواومَن بهِ من العدوِّ أَوْقعُوا
208مَدينةٌ مَعْرُوفةٌ بوخْشَمَهْفغادَروها فَحمةً مُسخَّمهْ
209ثمَّ ارتقَوا منها إلى حَواضرِفغادروها مثلَ أَمسِ الدَّابرِ
210ثمَّ مَضَوْا والعِلجُ يَحْتذيهِمُبجيْشهِ يَخشى ويَقْتفيهمُ
211حتى أتوا تَوّاً لوادِي دَيِّففيهِ عفَّى الرُّشدُ سُبْلَ الغَيِّ
212لما التقَوْا بمَجمعِ الجَوْزينِواجتمعتْ كتائبُ العِلْجينِ
213مِن أَهل ألْيون وبَنبلونَهْوأَهلِ أَرنيط وبَرْشلُونَهْ
214تضافرَ الكُفرُ معَ الإلحادِواجتمعوا مِن سائرِ البلادِ
215فاضطربوا في سَفحِ طَوْدٍ عالِوصَفَّفوا تَعبيةَ القتالِ
216فبادرتْ إليهمُ المُقدِّمَهْساميةً في خَيلها المُسوَّمهْ
217ورِدُّها مُتَّصلٌ برِدِّيُمدُّه بحرٌ عظيمُ المَدِّ
218فانهزمَ العِلجانِ في عِلاجِولَبسوا ثوباً من العَجاجِ
219كلاهما يَنظُرُ حيناً خَلفَهُفهو يَرى في كُلِّ وَجْهٍ حتْفَهُ
220والبِيضُ في إِثرِهم والسُّمرُوالقَتْلُ ماضٍ فيهمُ والأَسْرُ
221فلم يكُن للنَّاسِ مِنْ بَراحِوجاءَتِ الرُّؤوسُ في الرِّماحِ
222فأمرَ الأَميرُ بالتَّفْويضِوأَسْرعَ العَسكَرُ في النُّهوضِ
223فصادفُوا الجُمهورَ لما هُزمُواوعايَنوا قُوَّادَهم تُخُرّمُوا
224فدخَلوا حَديقَةً للموتِإذ طَمِعوا في حصْنها بالفَوتِ
225فيا لَها حديقةً ويا لَهاوافتْ بها نفوسُهم آجالَها
226تحصَّنوا إِذ عايَنوا الأَهْوالالمَعقلٍ كان لهم عِقالا
227وصَخرةٍ كانت عليهم صَيْلماوانقلبوا منها إلى جَهنَّما
228تَساقطوا يَستطعمونَ الماءَفأُخرجتْ أرواحُهم ظِماءَ
229فَكَم لِسَيفِ اللَّهِ من جَزُورِفي مَأدبِ الغرْبانِ والنُّسورِ
230وكم به قَتلى منَ القساوسِتندبُ للصُّلبانِ والنُّواقسِ
231ثمَّ ثَنى عنانَهُ الأَميرُوحولهُ التهليلُ والتَّكبيرُ
232مُصمِّماً بحرْبِ دارِ الحربِقُدَّامَهُ كتائبٌ من عُرْبِ
233فداسَها وسامَها بالخسْفِوالهتْكِ والسَّفكِ لها والنَّسْفِ
234فحرَّقوا ومَزَّقوا الحُصوناوأسْخنوا من أَهلها العُيونَا
235فانظرُ عنِ اليمينِ واليسارِفما تَرى إلَّا لهيبَ النَّارِ
236وأصبحتْ ديارُهم بلاقعافما نَرى إلَّا دُخاناً ساطِعا
237ونُصر الإمامُ فيها المُصطفىوقد شَفى من العدوِّ واشتَفى
238وبعدها كانت غَزاةُ طُرَّشْسَما إليها جيشهُ لم يُنْهَش
239وأَحدقتْ بحِصْنها الأَفاعيوكُلُّ صِلٍّ أَسْودٍ شُجاعِ
240ثمَّ بَنى حِصْناً عليها راتبايَعْتَوِرُ القُوَّادَ فيهِ دائبا
241حتّى أَنابتْ عَنوةً جِنانُهاوغابَ عن يافوخِها شيطانُها
242فأَذْعنتْ لسيَّدِ السَّاداتِوأكرمِ الأحياءِ والأمواتِ
243خليفةِ اللَّه على عِبادِهِوخيرِ مَنْ يَحكم في بلادِهِ
244وكانَ موتُ بدرٍ بنِ أَحمدِبعدَ قُفولِ المَلكِ المُؤيَّدِ
245واستحجبَ الإمامُ خيْرَ حاجبِوخيْرَ مَصحوبٍ وخَيرَ صاحبِ
246مُوسى الأَغرَّ من بني حُدَيرِعَقيدَ كُلِّ رأفةٍ وخَيرِ
247وبعدها غَزاةُ عَشْرِ غَزْوَهبها افتتاحُ منتلون عَنوَهْ
248غزا الإمامُ في ذوي السُّلطانِيَؤُمُّ أَهلَ النُّكْثِ والطُّغيانِ
249فاحتلَّ حِصْنَ منتلونَ قاطعاأَسبابَ منَ أَصبح فيه خالعا
250سارَ إليهِ وبَنَى عليهِحتّى أتاهُ مُلقياً يديهِ
251ثمَّ انثنى عنه إلى شَذُونَهْفعاضَها سَهلاً من الحُزونَهْ
252وساقَها بالأهلِ والولدانِإلى لُزومِ قُبَّةِ الإيمانِ
253ولم يدَعْ صَعْباً ولا مَنيعاإِلَّا وقد أَذلَّهمْ جميعا
254ثم انثنَى بأطيبِ القفُولِكما مَضى بأَحسنِ الفُضُولِ
255وبعدها غزاةُ إحدَى عشَرَهْكم نَبَّهتْ من نائمٍ في سَكْرَهْ
256غزا الإمامُ يَنْتحي بِبُشْتَرافي عسْكرٍ أَعظمْ بذاكَ عَسْكرا
257فاحتلَّ مِن بُبَشْتَرا ذَراهاوجالَ في شاطٍ وفي سواها
258فخرَّب العُمرانَ من بُبشْتَرِوأذعنتْ شاطٌ لربِّ العَسكرِ
259فأدخلَ العُدَّةَ والعديدافيها ولم يَتركْ بها عَنِيدا
260ثمَّ انتَحى بعدُ حُصونَ العُجْمِفداسها بالقَضْمِ بعدَ الخضْمِ
261ما كانَ من سواحِلِ البُحورِمنها وفي الغاباتِ والوعُورِ
262وأَدخلَ الطاعةَ في مكانلم يدْرِ قطُّ طاعةَ السُّلطانِ
263ثمَّ رَمى الثَّغرَ بخيرِ قائدِوزادهم عنه بخيرِ ذائدِ
264به قَما اللَّهُ ذوي الإشراكِوأنقذَ الثَّغرَ من الهلاكِ
265وانتاشَ من مَهْواتِها تُطيلهوقد جَرت دماؤُها مَطلُولَهْ
266وطَهَّرَ الثَّغرَ وما يَليهِمن شِيعةِ الكُفر ومن ذَويهِ
267ثمَّ انثَنى بالفَتحِ والنَّجاحِقد غيَّرَ الفسادَ بالصَّلاحِ
268وبعدها غَزاةُ اِثْنتَيْ عَشَرَهْوكم بها من حَسْرَةٍ وعِبرَهْ
269غزا الإمامُ حولَه كتائبُهكالبدْرِ محفوفاً به كواكبُه
270غزا وسيفُ النَّصر في يَمينهِوطالعُ السَّعدِ على جَبينهِ
271وصاحبُ العسكرِ والتَّدبيرِموسى الأغرُّ حاجبُ الأميرِ
272فدمَّر الحُصونَ من تدْميرِواستنزلَ الوحشَ من الصَّخورِ
273فاجتمعتْ عليهِ كُلُّ الأمّةوبايعتْهُ أُمَراءُ الفِتْنهْ
274حتّى إذا أَوعبَ من حُصونهاوجَمَّلَ الحقَّ على مُتونِها
275مَضى وسارَ في ظلالِ العَسكَرِتحتَ لواءِ الأسدِ الغَضَنْفَرِ
276رجالُ تُدميرٍ ومَن يَليهمُمن كلِّ صِنفٍ يُعتزى إليهمُ
277حتّى إذا حَلَّ على تُطيلَهْبكتْ على دمائِها المَطْلولَهْ
278وعظْمِ ما لاقَتْ من العدوِّوالحربِ في الرَّواحِ والغُدوِّ
279فهمَّ أَن يُديخَ دار الحربِوأَن تكونَ رِدْأَهُ في الدَّرْبِ
280ثمَّ استشارَ ذا النُّهى والحِجْرِمن صَحْبه ومِن رجالِ الثَّغْرِ
281فكُلُّهم أَشارَ أَنْ لا يُدْرِباولا يجوزَ الجبلَ المُؤشَّبا
282لأَنّه في عسكرٍ قدِ انخرَمْبِنَدْبِ كلِّ العُرفاءِ والحشَمْ
283وشَنَّعوا أَنَّ وَراءَ الفَجِّخمسينَ ألفاً من رجالِ العِلْجِ
284فقالَ لا بُدَّ من الدُّخولِوما إلى حاشاهُ من سبيلِ
285وأن أُديخَ أرضَ بَنْبلونَهْوساحةَ المدينةِ الملْعُونَهْ
286وكانَ رأياً لم يكُنْ من صاحبِساعدَهُ عليهِ غير الحاجبِ
287فاسْتَنصرَ اللَّهَ وعَبَّى ودَخَلْفكان فتحاً لم يكنْ لهُ مَثَلْ
288وعاذَ بالرَّغْبةِ والدُّعاءِواستنزلَ النَّصرَ مِنَ السّماءِ
289فقدَّم القُوَّادَ بالحُشودِوأَتْبعَ الحدودَ بالحُدودِ
290فانهزمَ العِلجُ وكانتْ مَلْحَمهْجاوزَ فيها الساقةُ المُقدَّمهْ
291فَقُتِّلوا مَقْتلَةَ الفَناءِفارتوتِ البِيضُ منَ الدِّماءِ
292ثمَّ أمالَ نحوَ بَنْبلونَهواقتحمَ العسكرُ في المدينَهْ
293حتى إذا جَاسُوا خلالَ دورِهاوأَسرع الخرابُ في مَعْمورها
294بلتَ على ما فاتَها النّواظِرُإذْ جَعلتْ تَدُقُّها الحوافِرُ
295لِفَقْدِ من قتَّلَ مِن رِجالِهاوذُّلِّ من أَيْتَمَ من أطفالها
296فكم بها وحولها من أغلفِتَهمي عليه الدمعَ عينُ الأَسْقفِ
297وكم بها حَقَّرَ من كنائسِبدَّلتِ الآذانَ بالنّواقِسِ
298يَبكي لها النَّاقُوسُ والصَّليبُكلاهما فرضٌ لهُ النَّحيبُ
299وانصرفَ الإمامُ بالنَّجاحِوالنصرِ والتّأييدِ والفَلاحِ
300ثمَّ ثَنى الراياتِ في طريقهِإلى بني ذي النونِ من توفيقهِ
301فأصبحُوا من بَسطهم في قَبْضِقد ألصقت خدودُهم بالأرضِ
302حتى بَدَوْا إليه بالبرهانِمن أكبرِ الآباءِ والوِلْدانِ
303فالحمدُ للَّهِ على تأييدهحمداً كثيراً وعلى تسديدهِ
304ثمَّ غَزا بيُمنهِ أشُونَاوقد أشادُوا حولها حُصونا
305وحَفَّها بالخيلِ والرّجالِوقاتَلوهُم أبلغَ القِتالِ
306حتى إذا ما عاينُوا الهلاكاتَبادروا بالطَّوعِ حينذاكا
307وأَسلمُوا حِصْنَهُمُ المَنيعاوسَمحوا بِخَرجِهم خُضوعا
308وقبلَهم في هذه الغَزاةِقد هُدِّمتْ مَعاقلُ العُصاةِ
309وأحكم الإمامُ في تدبيرهِعلى بني هابلَ في مَسيرهِ
310إذ حُبسوا مراقباً عليهمحتى أَتَوا بكلِّ ما لديهمُ
311من البَنين والعِيالِ والحشمْوكُلِّ من لاذَ بهمْ من الخَدَمْ
312فَهبَطُوا من أَجمَعِ البُلدانِوأُسكنُوا مدينةَ السّلطانِ
313فكانَ في آخرِ هذا العامِبعد خُضوعِ الكُفرِ للإِسلامِ
314مَشاهدٌ من أَعظمِ المَشاهِدِعَلى يَدَي عبد الحميدِ القائدِ
315لمّا غَزا إلى بني ذي النُّونِفكانَ فتحا ًلم يَكُن بالدُّونِ
316إذ جَاوزوا في الظُّلْمِ والطُّغيانِبقَتْلهم لعامِلِ السُّلطانِ
317وحاولُوا الدُّخولَ في الأَذيَّهحَتى غَزاهُمْ أَنجدُ البريَّه
318فعاقَهُم عَنْ كلَّ ما رَجَوْهُبنَقْضه كُلَّ الذي بَنَوْهُ
319وضَبْطِهِ الحِصْنَ العَظيمَ الشّانِأَشتبينَ بالرَّجْل وبالفُرسانِ
320ثمّ مَضى اللّيثُ إليهم زحفاًيَختطِفُ الأَرواحَ منْهم خَطْفا
321فَانهزموا هزيمةً لم تُرْفَدَاوَأَسْلموا صِنْوَهُمُ مُحمّدا
322وغَيرَهُ مِن أَوْجُهِ الفُرسانِمُغرَّب في مأتمِ الغِرْبانِ
323مُقطَّعَ الأَوصالِ بالسَّنابِكِمن بعدِ ما مُزّقٍ بالنَّيازِكِ
324ثمّ لجُوا إلى طِلاب الأَمنِوبَذْلهم ودَائعاً من رَهْنِ
325فَقُبضتْ رِهانُهُمْ وأُمِّنواوأَنْفَضوا رُؤوسَهُم وأَذْعُنوا
326ثمّ مَضى القائدُ بالتأييدِوالنَّصر في ذِي العَرْش والتَّسديدِ
327حتى أتى حِصْنَ بني عِمارَهْوالحرْبُ بالتَّدْبير والإدَارَهْ
328فافتتحَ الحِصْنَ وخَلَّى صاحِبهْوأَمَّنَ النَّاسَ جميعاً جانِبَهْ
329لم يَغْزُ فيها وغَزَتْ قُوَّادُهُواعتَوَرت بِبُشترا أجنادُهُ
330فكلُّهم أَبلَى وأَغنَى واكتَفىوكُلُّهم شَفَى الصُّدورَ واشْتَفى
331ثمّ تلاهُمْ بعدُ ليثُ الغيلِعبدُ الحميد من بني بسيلِ
332هو الَّذِي قامَ مقامَ الضَّيغَمِوجاءَ في غَزاتِهِ بالصَّيلَمِ
333برأسِ جالوتِ النِّفاقِ وَالحَسدْمَن جُمِّع الخِنزيرُ فيه والأَسدْ
334فهاكَهُ مع صَحبهِ في عِدَّهمُصلَّبين عند بابِ السُّدَّه
335قَدِ امتطى مَطيّةً لا تَبرحُصائمةً قائمةً لا تَرْمَحُ
336مطيَّةً إنْ يَعْرُها انْكسارُيُطِبُّها النَّجَّارُ لا البيطارُ
337كأَنَّه من فَوقها أسْوَارُعيناهُ في كِلتيهما مِسمارُ
338مباشِراً للشَّمسِ والرِّياحِعلى جودٍ غير ذي جِماحِ
339يقولُ للخاطرِ بالطَّريقِقولَ مُحبٍّ ناصِحٍ شَفِيقِ
340هذا مقامُ خادمِ الشّيطانِومَن عَصى خليفَةَ الرحمنِ
341فما رأينا واعظاً لا يَنْطِقُأصدقَ منه في الّذِي لا يَصدقُ
342فقُلْ لمن غُرَّ بسُوءِ رائِهِيَمُتْ إذا شاءَ بمثلِ دائِهِ
343كم مارقٍ مضَى وكمْ مُنافِقِقدِ ارتقى في مِثلِ ذاكَ الحالِقِ
344وعادَ وهوَ في العَصا مُصلَّبُورأَسُهُ في جِذْعهِ مُركَّبُ
345فكيفَ لا يَعتبرُ المخالفُبحالِ من تَطلبهُ الخلائفُ
346أما تَراهُ في هَوانٍ يرتَعُمعتبراً لمن يرى ويسمعُ
347فيها غَزا مُعتزماً بِبُشترافجالَ في ساحَتها ودمَّرا
348ثمَّ غزا طَلْجيرةً إليهاوهي الشجَى من بين أَخدعَيْها
349وامتدَّها بابنِ السَّليم راتبامشمِّراً عن ساقهِ مُحاربا
350حتّى رأى حَفْصٌ سبيلَ رُشدِهِبعد بُلوغِ غايةٍ من جُهدِهِ
351فدانَ لِلإمام قصداً خاضعاًوأَسلَم الحِصنَ إليه طائعا
352لم يَغْزُ فيها وانتحَى بِبُشترافَرمَّها بما رأى ودبّرا
353واحتلَّها بالعزِّ والتَّمكِينِومحْوِ آثارِ بني حَفْصونِ
354وعاضَها الإصلاحَ من فسادهمْوطَهَّرَ القبورَ من أجسادِهمْ
355حتّى خَلا مَلْحودُ كلِّ قبرِمِن كلِّ مُرتَدٍّ عظيمِ الكُفْرِ
356عصابةٌ مِن شيعةِ الشَّيطانِعدوَّةٌ ِللَّهِ والسّلطانِ
357فَخُرِّمَتْ أجسادُها تخرُّماوأصليتْ أرواحُهم جَهنَّما
358ووجَّه الإمامُ في ذا العامعبد الحميدِ وهو كالضِّرغامِ
359إلى ابن داودَ الّذِي تَقلَّعافي جَبلَيْ شَذُونَةٍ تمنَّعا
360فحطَّه منها إلى البسيطِكطائرٍ آذنَ بالسُّقوطِ
361ثمَّ أتى بِهِ إلى الإمامِإلى وفيِّ العَهدِ والذِّمامِ
362وبعد سَبع عَشرةٍ وفيهاغزا بَطَلْيُوسَ وما يليها
363فلم يزَلْ يَسومُها بالخسْفِويَنْتحيها بسُيوفِ الحَتْفِ
364حتى إذا ما ضَمَّ جانِبَيْهامُحاصِراً ثم بنَى علَيْها
365خلَّى ابنَ إِسحاقٍ عليها راتبامُثابراً في حَرْبهِ مُواظِبا
366ومَرَّ يَسْتَقصي حُصونَ الغَرْبِويَبتليها بوَبيلِ الحَرْبِ
367حتّى قَضَى مِنهُنَّ كُلَّ حاجَهْوافتُتحَتْ أَكْشُونَبه وباجّه
368وبعد فتْح الغَرْبِ واستِقصائهِوحَسْمِه الأدواءَ من أَعدائِهِ
369لجَّت بَطلْيوسُ على نِفاقِهاوغَرَّها اللَّجاجُ من مُرَّاقِها
370حتّى إذا شَافَهَتِ الحُتوفاوشامَتِ الرِّماحَ و السُّيوفا
371دعا ابنُ مَروان إلى السُّلطانِوجاءَه بالعَهْدِ والأمانِ
372فصارَ في تَوسِعةِ الإمامِوساكناً في قُبَّةِ الإسلامِ
373فيها غَزا بِعْزمِهِ طُلَيْطلَهْوامتنعوا بمَعْقلٍ لا مِثلَ لَهْ
374حتى بَنى جرنكشه بجَنبهاحِصْناً منيعاً كافلاً بحَرْبها
375وشدَّها بابن سَليمٍ قائدامُجالداً لأَهلها مُجاهدا
376فجاسَها في طُولِ ذاكَ العامِبالخسْفِ والنَّسفِ وضَرْبِ الهامِ
377ثمّ أتى رِدْفاً له دُرِّيُّفي عسكرٍ قضاؤهُ مَقْضيُّ
378فحاصروها عامَ تسعَ عشْرَهْبكلِّ مَحْبُوكِ القُوى ذي مرَّه
379ثمّ أَتاهم بعدُ بالرِّجالِفقاتلوهم أَبلغَ القِتالِ
380حتّى إذا ما سَلفت شُهورُمن عامِ عشْرينَ لها ثُبورُ
381ألقَتْ يدَيها للإمامِ طائعَهْواستَسلَمَت قَسراً إليه باخِعَه
382فَأَذعَنَتْ وقَبلَها لم تُذْعنِولم تَقُد منْ نَفْسها وتُمكنِ
383ولم تَدِنْ لربِّها بِدِينِسبعاً وسَبعين منَ السِّنينِ
384ومُبتدى عشرينَ مات الحاجبْمُوسى الذي كانَ الشهابَ الثاقبْ
385وبَرزَ الإمامُ بالتأييدِفي عُدَّةٍ منهُ وفي عَديدِ
386صَمْداً إلى المدينةِ اللعينَهأتعسَها الرّحمنُ من مَدينَه
387مدينةُ الشِّقاق والنِّفاقِوموئِلِ الفُسَّاق والمُرَّاقِ
388حتّى إذا ما كانَ مِنها بالأمموقد ذَكا حَرُّ الهَجير واحتدَمُ
389أتاهُ واليها وأَشياخُ البَلدْمُسْتَسلمين للإمام المُعتمدْ
390فَوافَقُوا الرَّحبَ من الإمامِوأُنزلوا في البِرِّ والإكرامِ
391ووجَّه الإمامُ في الظَّهيرَهخَيلاً لكي تدخلَ في الجَزِيرَه
392جَريدةٌ قائِدُها دريُّيَلمعُ في مُتونِها الماذِيُّ
393جريدةٌ في وَعْرِها وسَهلهاوذاكَ حينَ غفلةٍ من أَهلها
394ولم يكُن للقومِ من دفاعِبخَيلِ درّيٍّ ولا امتناعِ
395وقوَّضَ الإمام عند ذلكاوقلبُه صَبٌّ بما هُنالكا
396حتى إذا ما حَلَّ في المدينَهوأهلُها ذليلةٌ مَهينَهْ
397أقْمَعها بالخيل والرّجالِمن غيرِ ما حربٍ ولا قِتالِ
398وكان من أوَّل شيءٍ نظرافيه وما رَوى له ودبّرا
399تَهدُّمٌ لِبابِها والسُّورِوكانَ ذاك أحسنَ التّدبيرِ
400حتّى إذا صيَّرها بَراحاوعاينوا حريمَها مُباحا
401أقرَّ بالتَّشييدِ والتَّأسيسِفي الجبَلِ النَّامي إلى عَمروسِ
402حتّى استوى فيا بناءٌ مُحكمُفحَلَّه عاملُه والحشمُ
403فعِندَ ذاكَ أَسلَمَت واستسلمتمدينةُ الدِّماء بعدما عَنَتْ
404فيها مَضى عبدُ الحميد مُلتئمْفي أهبةٍ وعُدَّةٍ من الحَشَمْ
405حتّى أتى الحصنَ الّذي تقلَّعايحيى بن ذي النُّون به وامتنعا
406فحطَّه من هَضَباتِ ولبِمن غيرِ تعْنيتٍ وغيرِ حَرْبِ
407إلَّا بتَرْغيبٍ له في الطاعَهْوفي الدخولِ مَدْخلَ الجماعَهْ
408حتّى أتى بهِ الإمامَ راغبافي الصَّفح عن ذُنوبهِ وتائبا
409فصفحَ الإمامُ عن جنايتِهْوقَبِلَ المبذولَ من إنابتِهْ
410وردَّه إلى الحُصونِ ثانياًمُسجّلاً له علَيها والِيا
411ثمَّ غزا الإمامُ ذو المَجدَينِفي مُبتدا عشرينَ واثنتينِ
412في فَيلقٍ مُجمهَرٍ لُهامِمُدَكدِكِ الرّؤوسِ والأكامِ
413حافُ الرُّبى لزَحْفِه تَجيشُتَجيشُ في حافاتهِ الجيوشُ
414كأَنَّهم جِنٌّ على سَعاليوكُلُّهم أمضَى منَ الرِّئبالِ
415فاقتحموا مُلوندةً ورومَهْومن حَواليها حصونُ حيمه
416حتَّى أتاهُ المَارقُ التّجيبيمُستجدياً كالتائِب المُنيبِ
417فخصَّه الإمامُ بالتّرحيبِوالصَّفحِ والغُفرانِ للذُّنوبِ
418ثمّ حَباهُ وكَساهُ ووَصَلْبشاحجٍ وصاهلٍ لا يُمْتَثلْ
419كلاهُما من مَرْكبِ الخَلائفِفي حِلْيةٍ تُعْجِزُ وصفَ الواصفِ
420وقال كُن منَّا وأوطنْ قُرْطبهنُدنيكَ فيها من أجلِّ مَرْتبه
421تكنْ وزيراً أَعظمَ الناسِ خَطَرْوقائداً تَجبي لنا هذا الثَّغَرْ
422فقال أنّي ناقِهٌ من عِلَّتيوقد تَرى تغيُّري وصُفْرتي
423فإن رأيتَ سيّدي إمْهاليحتّى أرمَّ من صَلاحِ حالي
424ثمَّ أُوافيكَ على استِعجالِبالأهلِ والأَولادِ والعِيالِ
425وأَوثَقَ الإمامَ بالعهودِوجَعَلَ اللَّهَ منَ الشُّهودِ
426فَقبِلَ الإمامُ من أَيمانِهِوردَّه عفواً إلى مكانِهِ
427ثم أَتتهُ ربَّةُ البَشاقصِتُدْلي إِليه بالودادِ الخالصِ
428وأَنّها مُرْسلةٌ من عندهوجَدّها متّصلٌ بجَدِّهِ
429واكتفلتْ بكُلِّ بَنْبلونيوأَطلقت أَسرى بني ذي النُّونِ
430فأَوعدَ الإِمامُ في تَأمينهاونَكَّبَ العسكرَ عن حُصونها
431ثمّ مَضَى بالعزِّ والتَّمكينِوناصراً لأهلِ هذا الدِّينِ
432في جُملة الرّاياتِ والعساكرِوفي رِجال الصَّبرِ والبَصائرِ
433إِلى عِدَى اللّهِ منَ الجلالِقِوعابدِي المَخلوقِ دونَ الخالقِ
434فدمَّروا السُّهولَ والقِلاعاوهَتكوا الرُّبوعَ والرِّباعا
435وخَرَّبوا الحُصونَ والمَدائِناوأَقفروا من أهلها المَساكِنا
436فليسَ في الدِّيارِ من ديّارِولا بها من نافخٍ للنَّارِ
437فغادروا عُمْرانَها خراباوبَدَّلوا رُبوعها يَبابا
438وبالقِلاعِ أَحْرقوا الحُصوناوأَسْخَنوا من أَهلها العيونا
439ثمّ ثنى الإمامُ من عِنانِهِوقد شَفى الشَّجيَّ من أشجانِهِ
440وأمَّنَ القفارَ من أنجاسهاوطَهَّرَ البلادَ من أرْجاسِها
العصر العباسيالرجزقصيدة عامة
الشاعر
ا
ابن عبد ربه
البحر
الرجز