قصيدة · الكامل · رثاء

قد كنت أوثر أن تقول رثائي

أحمد شوقي·العصر الحديث·52 بيتًا
1قَد كُنتُ أوثِرُ أَن تَقولَ رِثائييا مُنصِفَ المَوتى مِنَ الأَحياءِ
2لَكِن سَبَقتَ وَكُلُّ طولِ سَلامَةٍقَدَرٌ وَكُلُّ مَنِيَّةٍ بِقَضاءِ
3الحَقُّ نادى فَاِستَجَبتَ وَلَم تَزَلبِالحَقِّ تَحفِلُ عِندَ كُلِّ نِداءِ
4وَأَتَيتَ صَحراءَ الإِمامِ تَذوبُ مِنطولِ الحَنينِ لِساكِنِ الصَحراءِ
5فَلَقيتُ في الدارِ الإِمامَ مُحَمَّداًفي زُمرَةِ الأَبرارِ وَالحُنَفاءِ
6أَثَرُ النَعيمِ عَلى كَريمِ جَبينِهِوَمَراشِدُ التَفسيرِ وَالإِفتاءِ
7فَشَكَوتُما الشَوقَ القَديمَ وَذُقتُماطيبَ التَداني بَعدَ طولِ تَنائي
8إِن كانَتِ الأُلى مَنازِلَ فِرقَةٍفَالسَمحَةُ الأُخرى دِيارُ لِقاءِ
9وَدِدتُ لَو أَنّي فِداكَ مِنَ الرَدىوَالكاذِبونَ المُرجِفونَ فِدائي
10الناطِقونَ عَنِ الضَغينَةِ وَالهَوىالموغِرو المَوتى عَلى الأَحياءِ
11مِن كُلِّ هَدّامٍ وَيَبني مَجدَهُبِكَرائِمِ الأَنقاضِ وَالأُشَلاءِ
12ما حَطَّموكَ وَإِنَّما بِكَ حُطِّموامَن ذا يُحَطِّمُ رَفرَفَ الجَوزاءِ
13أُنظُرُهُ فَأَنتَ كَأَمسِ شَأنُكَ باذِخٌفي الشَرقِ وَاِسمُكَ أَرفَعُ الأَسماءِ
14بِالأَمسِ قَد حَلَّيتَني بِقَصيدَةٍغَرّاءَ تَحفَظُ كَاليَدِ البَيضاءِ
15غيظَ الحَسودُ لَها وَقُمتُ بِشُكرِهاوَكَما عَلِمتَ مَوَدَّتي وَوَفائي
16في مَحفَلٍ بَشَّرتُ آمالي بِهِلَمّا رَفَعتَ إِلى السَماءِ لِوائي
17يا مانِحَ السودانِ شَرخَ شَبابِهِوَوَلِيَّهُ في السِلمِ وَالهَيجاءِ
18لَمّا نَزَلتَ عَلى خَمائِلِهِ ثَوىنَبعُ البَيانِ وَراءَ نَبعِ الماءِ
19قَلَّدتَهُ السَيفَ الحُسامَ وَزُدتَهُقَلَماً كَصَدرِ الصَعدَةِ السَمراءِ
20قَلَمٌ جَرى الحِقَبَ الطِوالَ فَما جَرىيَوماً بِفاحِشَةٍ وَلا بِهِجاءِ
21يَكسو بِمِدحَتِهِ الكِرامَ جَلالَةًوَيُشَيِّعُ المَوتى بِحُسنِ ثَناءِ
22إِسكَندَرِيَّةُ يا عَروسَ الماءِوَخَميلَةَ الحُكَماءِ وَالشُعَراءِ
23نَشَأَت بِشاطِئِكَ الفُنونُ جَميلَةًوَتَرَعرَعَت بِسَمائِكِ الزَهراءِ
24جاءَتكِ كَالطَيرِ الكَريمِ غَرائِباًفَجَمَعتِها كَالرَبوَةِ الغَنّاءِ
25قَد جَمَّلوكِ فَصِرتِ زَنبَقَةَ الثَرىلِلوافِدينَ وَدُرَّةَ الدَأماءِ
26غَرَسوا رُباكِ عَلى خَمائِلِ بابِلٍوَبَنَوا قُصورَكِ في سَنا الحَمراءِ
27وَاِستَحدَثوا طُرقاً مُنَوَّرَةَ الهُدىكَسَبيلِ عيسى في فِجاجِ الماءِ
28فَخُذي كَأَمسِ مِنَ الثَقافَةِ زينَةًوَتَجَمَّلي بِشَبابِكِ النُجَباءِ
29وَتَقَلَّدي لُغَةَ الكِتابِ فَإِنَّهاحَجَرُ البِناءِ وَعُدَّةُ الإِنشاءِ
30بَنَتِ الحَضارَةَ مَرَّتَينِ وَمَهَّدَتلِلمُلكِ في بَغدادَ وَالفَيحاءِ
31وَسَمَت بِقُرطُبَةَ وَمِصرَ فَحَلَّتابَينَ المَمالِكِ ذِروَةَ العَلياءِ
32ماذا حَشَدتِ مِنَ الدُموع لِحافِظٍوَذَخَرتِ مِن حُزنٍ لَهُ وَبُكاءِ
33وَوَجدتِ مِن وَقعِ البَلاءِ بِفَقدِهِإِنَّ البَلاءَ مَصارِعُ العُظَماءِ
34اللَهُ يَشهَدُ قَد وَفيتِ سَخِيَّةًبِالدَمعِ غَيرَ بَخيلَةِ الخُطَباءِ
35وَأَخَذتِ قِسطاً مِن مَناحَةِ ماجِدٍجَمِّ المَآثِرِ طَيِّبِ الأَنباءِ
36هَتَفَ الرُواةُ الحاضِرونَ بِشِعرِهِوَحَذا بِهِ البادونَ في البَيداءِ
37لُبنانُ يَبكيهِ وَتَبكي الضادُ مِنحَلَبٍ إِلى الفَيحاءِ إِلى صَنعاءِ
38عَرَبُ الوَفاءِ وَفَوا بِذِمَّةِ شاعِرٍباني الصُفوفِ مُؤَلَّفِ الأَجزاءِ
39يا حافِظَ الفُصحى وَحارِسَ مَجدِهاوَإِمامَ مَن نَجَلَت مِنَ البُلَغاءِ
40ما زِلتَ تَهتِفُ بِالقَديمِ وَفَضلِهِحَتّى حَمَيتَ أَمانَةَ القُدَماءِ
41جَدَّدتَ أُسلوبَ الوَليدِ وَلَفظِهِوَأَتَيتَ لِلدُنيا بِسِحرِ الطاءِ
42وَجَرَيتَ في طَلَبِ الجَديدِ إِلى المَدىحَتّى اِقتَرَنتَ بِصاحِبِ البُؤَساءِ
43ماذا وَراءَ المَوتِ مِن سَلوى وَمِندَعَةٍ وَمِن كَرَمٍ وَمِن إِغضاءِ
44اِشرَح حَقائِقَ ما رَأَيتَ وَلَم تَزَلأَهلاً لِشَرحِ حَقائِقِ الأَشياءِ
45رُتَبُ الشَجاعَةِ في الرِجالِ جَلائِلٌوَأَجَلُّهُنَّ شَجاعَةُ الآراءِ
46كَم ضِقتَ ذَرعاً بِالحَياةِ وَكَيدِهاوَهَتفتَ بِالشَكوى مِنَ الضَرّاءِ
47فَهَلُمَّ فارِق يَأسَ نَفسِكَ ساعَةًوَاِطلُع عَلى الوادي شُعاعَ رَجاءِ
48وَأَشِر إِلى الدُنيا بِوَجهٍ ضاحِكٍخُلِقَت أَسِرَّتُهُ مِنَ السَرّاءِ
49يا طالَما مَلَأَ النَدِيَّ بَشاشَةًوَهَدى إِلَيكَ حَوائِجَ الفُقَراءِ
50اليَومَ هادَنتَ الحَوادِثَ فَاِطَّرِحعِبءَ السِنينِ وَأَلقِ عِبءَ الداءِ
51خَلَّفتَ في الدُنيا بَياناً خالِداًوَتَرَكتَ أَجيالاً مِنَ الأَبناءِ
52وَغَداً سَيَذكُرُكَ الزَمانُ وَلَم يَزَللِلدَهرِ إِنصافٌ وَحُسنُ جَزاءِ