قصيدة · الطويل · رثاء
ننام من الأيام في غرض النبل
1نَنامُ من الأيّامِ في غَرَضِ النَّبْلِونُغْذى بمُرّ الصّاب منها فنستحلي
2وقد فَرَغَتْ للقَوْمِ في غَفَلاتهمْحتوفٌ بهم تُمسي وتُصبحُ في شُغْلِ
3أَرى العالَمَ العلوِيَّ يَفْنى جَميعُهُإذا خَلَتِ الدُّنْيا مِنَ العالَمِ السفلي
4ويبقى على ما كان من قبل خَلْقِهِإلهٌ هَدى أهلَ الضّلالةَ بالرُّسلِ
5وَيَبْعَثُ مَنْ تحتَ التراب وفوقهنشوراً إليه الفضل يا لك من فَضلِ
6أَرى الموتَ في عيني تخيّلَ شَخْصُهُولي عُمُرٌ في مثله يَتّقي مثلي
7وكادتْ يدٌ منه تشدّ على يديورجلٌ له بالقُرْبِ تمشْي على رجلي
8وَفي مَدِّ أَنفاسي لَدَيَّ وجَزرِهابقاءٌ لنفسٍ غَيرِ متُصّل الحبلِ
9ثمانونَ عاماً عِشتُها وَوَجَدتُهاتهدّمُ ما تبني وتخفضُ مَنْ تُعلي
10وإنّي لَحَيُّ القوْلِ في الأمل الَّذيإذا رُمْتُهُ ألفيتُهُ مَيّتَ الفعْلِ
11إِذا اللَّه لم يَمنَحكَ خَيراً مُنِعْتَهُعلى ما تعانيه من الحِذْقِ والنُّبلِ
12فَيا سائلي عَن أَهلِ ذا العصرِ دعْهُمُفبالفَرْعِ منهم يُسْتَدَلّ على الأصْلِ
13إذا خَلَلٌ في الحالِ منك وَجَدْتَهُفإيّاكَ والتعويلَ منهم على خِلِّ
14تأمّلْتُ في عقلي وضعفي فقل إذاسئلتَ رأيتُ الشيخ في عُمرُ الطفلِ
15وَهَمٌّ له حِمْلٌ على الهَمِّ ثِقْلُهُفيا ليتَهُ مِنْهُ على كاهِلِ الكَهْلِ
16رَجَعتُ إِلى ذِكرِ الحِمام فإنَّهُله زَمَنٌ ملآن بالغَدْرِ والخَتْلِ
17وكَم لَقوَةٍ من قُلَّةِ النيقِ حَطّهاإلى حيثُ تُفْنيها الذبابَةُ بالأَكلِ
18وقَسوَرةٍ أَفضى إِلى نَزعِ روحِهِوشقّ إليها بين أنيابه العُصْلِ
19فَما لِلرّدى مِن مَنهَلٍ لا نُسِيغُهُوواردهُ يَغْنى عن العَلّ بالنّهلِ
20فيا غرسةً للأجرِ كنتُ نقلتُهاإلى كَنَفَيْ صَوْني وألحَفتُها ظلِّي
21وأنكحتُها من بعد صدقٍ حَمِدْتُهُكريماً فلم تَذْمُمْ مُعاشَرَةَ البعلِ
22أتاني نعيٌّ عنكِ أذكى جوى الأسىعليّ اشتعالَ النارِ في الحطبِ الجزلِ
23وجاءكِ عنّي نعيُ حيّ فلم يُجِزْلك الكُحْلَ فيه ما لبستِ من الكحلِ
24عَلى أَنّ أسْماعَ البلادِ تَسامَعَتْبه وهو يجرْي بين ألْسِنَة السبُّلِ
25فَنُحْتِ على حيٍّ أماتَ شبابَهُزمانُ مشيبٍ لا يُجدّدُ ما يُبْلي
26فمتّ بما شاءَ الإلهُ ولم أمُتْلِيَكْتُبَ عمري من حياتي الذي يملي
27وفارقت روحاً كان منكِ انْتزاعُهُأدقّ دبيباً في الجسومِ مِنَ النملِ
28أَراني غَريباً قَد بَكيتُ غريبةًكِلانا مشوقٌ للمَواطنِ والأهلِ
29بكتني وظنّتْ أنّني متّ قبلهافَعِشتُ وماتت وهيَ مَحزونَة قبلي
30أقامتْ على موتي الذي قيل مأتماًوأبكتْ عيونَ الناسِ بالطّلّ والوَبْلِ
31وكُلٌّ على مِقدارِ حَسْرَتِهِ بَكىعليّ ولاقَى ما اقتضاه مِنَ الشكلِ
32أَساكِنَةَ القبرِ الَّذي ضُمَّ قُطْرُهُعلى البرِّ منها والديانة والفضلِ
33أصابكِ حزنٌ من مُصَابيَ قاتلٌفهل أجلٌ لاقاكِ قد كان من أجلي
34وخلّفْتِ في حِجْرِ الكآبةِ للبكابناتٍ لأمّ في مفارقةِ الشّمْلِ
35يُرَيْنَ كأفْرَاخِ الحمامةِ صَادَهاأبُو ملحمٍ في وكرِهِ كَأَبي الشّبْلِ
36بَكَتكِ قَوافي الشعرِ من غزر أدْمُعٍبُكاءَ الحَمامِ الوُرْقِ في قُضُبِ الأثْلِ
37وكلّ مهاةٍ حَوْلَ قبركِ بالفلالما بين عينيها وعينيكِ من شكلِ
38فَرَوَّى ضَريحاً من كفاحٍ عن الثرىله وابلٌ بالخصب ما خُطّ بالمَحلِ
39أَيا ربِّ إنَّ الخَلْقَ لا أرتجيهمُفكلّ ضعيف لا يُمِرّ ولا يُحلي
40بحلمكَ تعفُو عن تَعَاظُمِ زَلّتيوفضلك عن نقصي وحلمك عن جهلي