قصيدة · الطويل

لَقَـد كـانَ فـي بَـغـداد للشـؤم يـأَمـرُ

جميل صدقي الزهاوي·العصر العثماني·66 بيتًا
1لَقَـد كـانَ فـي بَـغـداد للشـؤم يـأَمـرُعَـلى فـرقـة مـن فـيـلق التـرك جـعفرُ
2وَكــــــانَ له زوج وكــــــان ركــــــونُهإليـهـا كَـثـيـراً فـهـي تـنـهـى وَتأمر
3تــســمــى زليـخـاً وَهـيَ شـمـطـاءُ فـظـةٌمــن النــاس طـراً بـالقَـسـاوة تـذكـر
4وكــانَ له مــنــهــا فــتــاة جَــمـيـلةٌقَـد اِشـتَهَـرَت واسـم الجَـمـيـلةِ دلبـر
5وَجــاريــة فــي بــيــتــه شــركــســيــةٌتــسـمـى سُـليـمـى وَهـيَ عَـذراءُ مـعـصـر
6مـــهـــفــهــفــة رود كــأن قــوامــهــاقــضــيــب مــن الليــمــون غــضٌّ مـنـوَّر
7لهــا نــظــر كــالســيــف مـاض غـرارُهُوَوجــه كــمــثـل الزهـر أَو هـو أَزهـر
8تــكــاد بــفــرع طــال مــنــه غــدائرٌثــلاثٌ إذا مــا أَســبــلتــهـنَّ تـعـثـر
9تَـفـوق عَـلى بـنـت الأمـيـر بـحـسـنهاوأخــلاقــهــا فـيـمـا يـقـال وَيـخـبـر
10وَقَـد جـاءَ أن البـنـت دلبـر نـابـهـاعــيــاء مـن الجـدريّ بـالمَـوت يـنـذر
11فـأنـشـب فـيـهـا الداء أَظـفـار فتكهوأعـجـز مـن قـد كـان فـي الطب يمهر
12فَـمـاتَـت بـه فـي مـيـعـة مـن شـبابهاوَسـيـقـت إلى حـيـث الأكـابـر تـقـبـر
13إلى حــيــث لا يــرجــى مــآب لراحــلإليــه وَهَـل مـن مـورد المـوت مـصـدر
14وإن الَّذي قـاسَـت زليـخـا مـن الأسـىعَـــلى دلبـــرٍ فـــوق الَّذي يُـــتــصــور
15بــكـتـهـا سـليـمـى بـالدمـوع غَـزيـرةوَبــاتَ عــليــهــا قــلبُهــا يــتــفـطـر
16وَلكــن بـكـاهـا المـسـتـمـر لحـزنـهـاعَــلى دلبـرٍ مـا كـانَ يُـجـدي وَيـثـمـر
17فــإن زليــخــا كــلمــا بــصــرت بـهـاأحــســت بـنـار فـي الجـوانـح تـسـعـر
18فـتـسـخـط إذ لا شـيـء يـوجـب سـخـطهاوَتــشــتــمــهــا فــي وجــهـهـا وَتـحـقِّر
19وَتــرفـسـهـا مـن غـيـر ذنـب بـرجـلهـاوَتـوجـع ضـربـاً بـالعـصـا وَهـيَ تـصـبر
20لَقَـد أَشـفـق الخـدامُ في القصر كلهمعـليـهـا ولكـن مـن عَـلى المنع يجسر
21أَبــت أن تــراهــا كــل يـوم جـمـيـلةوَدلبــر تــبــلى فـي التـراب وَتـدثـر
22تَـمـوت بـريـعـان الشَـبـيـبـة بـنـتُهـاوَتَـحـيـا سـليـمـى فـي مـحـاسـن تـكـثر
23تَـقـول أَلا لَيـتَ المَـنـايـا تـجـنـبـتفَــتــاتــيَ واحــتــلت بــمــن تـتـخـيـر
24وَلَيـتَ المَـنـايـا مـا تـخـرَّمْـنَ دلبراًوَغــلْنَ سـليـمـى فـهـي بـالمـوت أَجـدَر
25وَهَـل ذنـب هَذا الدهر إذ غال دلبراًوأَبـقـى سـليـمـى فـي الحَـيـاة يُـكـفَّر
26حَــيــاة ســليـمـى بـعـد مـيـتـة دلبـرٍمــن الدهــر ذنـبٌ فـادح لَيـسَ يـغـفـر
27فـدى دلبـراً بـل سـاعـةً مـن حَـيـاتهاكــمــثــل ســليـمـى أَلفُ بـنـتٍ وأكـثـر
28وَظَــنــيَ أَنَّ المــوت قـد كـانَ قـاصِـداًســليـمـى فَـقـالَت إنـنـي أنـا دلبـر
29وَتــلك ســليــمــى وَهـي تـومـي لدلبـرٍفــخــذهــا ورح يـا مـوت إنـك تـقـهـر
30ســليـمـى خـدعـت المـوت حـتـى دللتـهعَــلى دلبــرٍ إن الَّذي جــئت مــنــكــر
31ســأجــزيــك شـراً بِـالَّذي قـد عـمـلتـهمــن الشــر إنـي يـا سـليـمـي لأقـدر
32أشـــوه وَجـــهــاً طــالَمــا بــجــمــالهفــتـنـت عـيـونـاً نـحـو وجـهـك تـنـظـر
33فـيـصـبـح مـنـك الوجـه قـد زالَ حسنهجَـمـيـعـاً وَمـنـه النـاس أجـمـع تـسخر
34وَصــاحَــت بــخـدامٍ لديـهـا فـجـنـدلواســليــمــى كــشـاةٍ بـالقـسـاوة تـجـزر
35فــقــصـت زليـخـا فـرعـهـا مـن أصـولهوَكــانَ يَــزور الأرض ســاعــة يــنـشـر
36وَنــتــفــت الأهــداب مــنـهـا وحـلَّقـتحــواجــبَ زجــاً راق مــنــهــن مــنـظـر
37سـمـعـت عـويلاً في دجى اللَيل راعنيوَعــــلَّ بـــه روعَ المـــلائكِ أَكـــبـــر
38فَـسـاءلتُ مـا هَـذا العـويـل فقيل ليفـــؤادٌ بـــإيــقــاع الأذى يــتــكــسَّر
39وَقَـد كـانَـت الدار الَّتـي نزلوا بهاعَــلى دجــلة حــيــث المــيــاه تـحـدَّر
40سـليـمـى اِرتـقَت في سطحها بعد هجعةمن الناس في الأطراف وَاللَيل مقمر
41تــفـكِّر فـي اللَيـل الَّذي ازدان جـوهبـمـا فـيـه مـن نـجـمٍ يـغـيـب وَيـظـهر
42وإشـراق وجـه المـاء بـالبدر لامعاًعــليــه مــن الأنــوار ثــوبٌ مــحــبَّر
43كـأَنَّ الصـبا ما أَولع النفس بالصباعَـلى المـاء آلافـاً مـن الماس تنثر
44رأَت كـل شـيـء فـي الطَـبـيـعـة غيرهاجـمـيـلاً بـه تـجـلى العـيـون وَتـبـهر
45وَلكــنــهــا دون الخَــليــقــة كــلهــامــن الوجــه يُـمـحَـى حـسـنُهـا وَيُـغـيَّر
46أَأَهـرب مـن وجه الرَزايا إِلى الفلاإلى الغـاب إن الغـاب لا شـك أسـتر
47وَلكـــنـــنــي لا أَهــتَــدي لسَــبــيــلهفـهَـل مـن دَليـل لي لدى اللَه يـؤجـر
48وَهـــب أن لي ذاكَ الدَليـــل وأنــنــيهـربـت فـهَـل يـألو عَـن البـحـث جعفر
49إذا ظــفــرت بــي عــنــده يــد سـيـديفــإن زليــخــا مــن عــذابــيَ تــكـثـر
50وأحــســن مــنـه اللوذ بـالمـوت إنـهعَــلى غــيــره عــنـد الضَـرورة يـؤثـر
51فــإن المَـنـايـا لا يـرجـعـنـنـي إلىزليــخــا وإن كــانَــت بــذلك تــأمــر
52أمــوت أَجــل إنـي أَمـوت فَـفـي الردىنَـجـاتـي الَّتـي مـا زلت فـيـهـا أفكِّر
53ألا أَيُّهــا البــدر المــنــور إنـنـيســأبــلى وَبَـعـدي هَـكَـذا أَنـتَ تـسـفـر
54لأنـت سَـعـيـدٌ أيُّهـا البـدر فـالتـمِعْكَـمـا شـئتَ لا زالَت بـك الأَرض تزهر
55فَــمــا لزليـخـا أَيُّهـا البـدر سـلطـةعــليـك وَلا إن رقـت يـا بـدر تـوتـر
56وَداعـا فـإنـي أَيُّهـا البـدر لا تـرعإلى المـوت مـن هَـذا المَـكان سأطفر
57وَبــــعـــدئذٍ جـــازى الإلهُ بـــعـــدلهبــيــوتـاً بـإيـقـاع الجـرائر تـعـمـر
58رمـت نـفـسـهـا فـي دجلة فاِختفت بهاكـأن لم تـكن شيئاً على الأرض يذكر
59تـفـكـرت فـي أَمـر الحَـياة فَما الَّذيتــعــلمــت مــنــه أيــهــا المــتـفـكِّر
60تَـرى زهـرة قـد أعـجـب العـين لونهاوفــاح لهــا فــي الروض عَـرفٌ مـعـطـر
61تـهـب عـليـهـا الريـح مـن بـعد ساعةفــتــســقــط مــن أَوراقـهـا وَتُـبـعـثـر
62وَتــبــصــر عــصــفــوراً تــزيــن ريـشـهيــغــرد فــي عـالي الغـصـون وَيـصـفـر
63فَــيَــلقــاه صــقــر ذو مــخـالب أَجـدَلٌفــيـخـطـفـه مـن قـبـل مـا هـو يـشـعـر
64وَمِــمّــا يـسـلِّي النـفـس مـنـيَ عـلمُهـابــأن بــقــاء الشــيــء لا يــتــيـسـر
65فـيـردى الَّذي قـد كـانَ للغير مردياًوَيـقـهـر مـن قـد كـانَ لِلنـاس يـقـهـر
66وَلَم تــكـن الأشـيـاء تـفـنـى وإنـمـاإلى صـــورة مـــن صـــورة تـــتــغــيــر