1لِذِكْرَاكَ يَا حِفْنِيُّ فِي النَّفْسِ أَشْجَانُوَكَيْفَ سُلُوِّي لِلرِّفَاقِ الأُولَى بَانُوا
2تَوَلَّوا وَأَبْقَانِي زَمَانِي بَعْدَهُمْأَعِزُّ إِذَا عَزُّوا أَهُونُ إِذَا هَانُوا
3نَوَابِغُ آدَابٍ وَعِلْمٍ تَلاحَقُواوَكَانُوا مِنَ الآدَابِ وَالعِلْمِ مَا كَانُوا
4بِعَيْنِي مَا طَالَتْ حَيَاتِي شُخُوصُهُمْوَفِي السَّمْعِ أَقْوَالِ عِذَابٌ وَأَلْحَانُ
5لَقَدْ تَرَكُوا سِفْراً مِنَ المَجْدِ حَافِلاًوَكُلٌّ لَهُ فِي ذَلِكَ السِّفْرِ عُنْوَانُ
6وَتَحْتَ اسْمِ حِفْنِيٍّ مَعَانٍ كَثِيرَةٌهُوَ الضَّوْءُ إِنْ حَلَّلْتَهُ وَهْيَ أَلوَانُ
7فَحِفْنِيُّ كَانَ الكاتِبَ الأَوْحَدَ الَّذِيخَلَتْ قَبْلَ أَنْ تَحْظَى بِهِ مِصْرُ أَزْمَانُ
8مَنَارَةَ عَهْدٍ لِلحضَارَةِ زَاهِرٍبِشَتَّى حِلاهَا يَسْتَضِيءُ وَيَزْدَانُ
9مَبَاحِثُهُ فِي كُلِّ فَنٍّ طَرَائِفٌيُجَمِّلُهَا سَبْكٌ بَدِيعٌ وَتَبْيَانُ
10تُنِيرُ وَتُشْجِي قَارِئِيهَا كَأَنَّمَاتُصِيبُ المُنَى فِيهَا عُقُولٌ وَأَذْهَانُ
11رَسَائِلُهُ مُنْسُوجَةٌ نَسْجَ وَحْدِهَاتَرُوعُ بِوَشْيٍ فِيهِ لِلطَّرْفِ أَفْنَانُ
12وَتَنْفَحُ فِيهَا نَفْحَةً عَبْقَرِيَّةًنُسَيْمَاتُ رَوْضٍ فِيهِ وَرْدٌ وَرَيْحَانُ
13وَحَفْنِيُّ كَانَ الشَّاعِرُ المُبْدِعُ الَّذِيقَصَائِدُهُ دُرُّ نُظِمْنَ وَعِقْيَانُ
14قَرِيضٌ إِذَا اسْتُنْشِدْتَهُ ذُقْتَ طِيبَهُوَحِسُّكَ نَشْوَانٌ وَرُوحُكَ نَشْوَانُ
15كَمَشْمُولَةٍ مِنْ مُشْتَهَى النَّفْسِ قُطِّرَتْيُعَاطِيكَهَا فِي مَجْلِسِ الأُنْسِ نُدْمَانُ
16يَلُوحُ بِهَا المَعْنَى الطَّلِيقُ وَإِنَّمَاهُوَ الوَحْيُ يُوحَى لا عَرُوضٌ وَأَوْزَانُ
17وَحِفْنِيُّ كَانَ العَالِمَ العَامِلَ الَّذِيلَهُ القَوْلُ طَوْعٌ وَالبَلاغَةُ مِذْعَانُ
18مُثَقِّفَ نَشْءِ العَصْرِ أَيَّامَ لَمْ تَكُنْوَسَائِلَ تَقْرِيبٍ وَلَمْ يَكُ إِتْقَانُ
19فَأُوتِيَ ذُخْراً مِنْ غَوَالِي دُرُوسِهِغَرَانِيقُ فَازُوا فِي الحَيَاةِ وَفِتْيَانُ
20يَعِزُّ الحِمَى مِنْهُمْ بِكُلِّ مُهَذَّبٍلَهُ أَدَبٌ جَمٌّ وَفَضْلٌ وَعِرْفَانُ
21وَ حِفْنِيُّ كَانَ الجِهْبِذَ اللَّبِقَ الَّذِيبِهِ عَادَ لِلفُصْحَى عَلَى اللَّغْوِ سُلْطَانُ
22وَرَدَّ عَلَى القُرْآنِ مُحْكَمَ رَسْمِهِكَمَا خَطَّهُ فِي سَالِفِ الدَّهْرِ عُثْمَانُ
23وَ حِفْنِيُّ فِي نَادِيهِ ذُو الكَلِمِ الَّتِيبِأَبْدَعَ مِنْهَا لا تُشَنَّفُ آذَانُ
24عِبَارَتُهُ تَجْرِي بِأَشْفَى مِنَ النَّدَىوَمَنْطِقُهُ مِنْ حِكْمَةِ الدَّهْرِ رَيَّانُ
25هُوَ الأَسْمَرُ العَبْلُ البَطِيءُ حَرَاكُهُوَلَكِنَّهُ رُوحٌ تَخِفُّ وَوِجْدَانُ
26فَإِنْ يَكُ إِنْسَانٌ يُبَاهِيهِ طَلْعَةًفَلَيْسَ يُباهِيهِ بِمَعْنَاهُ إِنْسَانُ
27وَ حِفْنِيُّ قَاضٍ رَاقَبَ اللهَ عَالِماًبِأَنَّ الَّذِي إِذَا اقْتَصَّ رَحْمَنُ
28فَبالَغَ فِي اسْتِيطَانِ كُلِّ سَرِيرَةٍمُحَاذَرَةَ أَنْ يُخْطِيءَ الحَقَّ بُرْهَانُ
29وَكَائِنْ طَوَى مِنْ لَيْلَةٍ نَابِغِيَّةٍبِهَا رَقَدَ الشَّاكِي وَقَاضِيهِ سَهْرَانُ
30وَفِي الدِّينِ أَوْ فِي العِلْمِ صَرَّفَ جُهْدَهُبِأَحْسَنِ مَا يُوحِيهِ عَقْلٌ وَإِيمَانُ
31يَمُدُّ بِمَا فِالرَّبِيعِ جَامِعَتَيْهِمَاوَكُلٌّ لَهُ مَرْمَى وَكُلٌّ لَهُ شَانُ
32فَهَذِي لَهَا مِنْهُ نَصِيرٌ وَمُرْشِدٌوَهَذِي لَهَا مِنْهُ ظَهِيرٌ وَمِعْوَانُ
33إِذَا ائْتَمَرَ المُسْتَشْرِقُونَ وَقلِّبَتْتَوَارِيخُنَا مِمَّا طَوَى الأَيْنُ والآنُ
34فَحِفْنِيُّ مِنْطِيقُ المَعَارِفِ وَالنُّهَىهُنَاكَ وَصَوتٌ لِلكِنَانَةِ رَنَّانُ
35وَفِيِ كُلِّ مَا يَأْتِيهِ لا يَسْتَفِزُّهُأَثَمَّتَ غُنْمٌ أَمْ هُنَالِكَ شُكْرَانُ
36فَوَا حَرَبَا مِنْ طَارِئِيْنِ تَحَالَفَاعَلَيْهِ فَدَكَّاهُ كَمَا دُكَّ بُنْيَانُ
37أُصِيبَ بِسَهْمٍ جَنْبُهُ فَهْوَ صَابْرٌوَآخَرَ أَصْمَى بِكْرَهُ فَهْوَ ثَكْلانُ
38وَمَا مَلَكٌ مَنْ يَحْسُنُ العَيْشُ بَعْدَهَاعَلَيْهَا سَلامٌ فِي الجِنَانِ وَرِضْوَانُ
39وَهَى الجَلَدُ البَاقِي بِهِ إِذْ تَرَحَّلَتْوَأَوْدَى أَسىً يَبْكِيهِ أَهْلٌ وَإِخْوَانُ
40مُصَابٌ أَصَابَ العُرْبَ بَدْواً أَوْ حُضَّراًفَقَحْطَانُ مَكْلُومُ الفُؤَادِ وَعَدْنَانُ
41وَعَزَّ أَسَا دَارِ السَّلامِ وَصُوِّحَتْبِقَاعُ العَزِيزِ الخُضْرُ وَاهْتَزَّ لُبْنَانُ
42وَرُوِّعَتِ الفُسْطَاطُ لَكِنَّهَا طَغَىعَلَى حُزْنِهَا فِي ذَلِكَ اليَوْمِ أَحْزَانُ
43أَجَابَ بَنُوهَا مُهْرَعِينَ وَقَدْ دَعَاإِلَى الذَّوْدِ ظُلْمٌ حُمِّلُوهُ وَعُدْوَانُ
44وَفَارَقَتِ الغِيدُ الخُدُورَ عَوَامِداًإِلَى حَيْثُ يَلْقَى الرَّوْعَ شِيبٌ وَشُبَّانُ
45كَفَى شَاغِلاً أَنْ يُشْغِلُوا عَنْ نُفُوسِهِمْلِيُنْصَفَ شَعْبٌ مُسْتَضَامٌ وَأَوْطَانُ
46فَيَقْتَحِمُوا الأَخْطَارَ عُوْلاً وَمَا بِهِمْأَيُرْدَى كُهُولٌ أَوْ يُعَاجِلُ وِلَدانُ
47وَيَزْدَحِمُوا مُسْتِبْسِلِينَ وَيَصْطَلُواعَلَى الكَرِّ نِيرَاناً تَلِيهِنَّ نِيرَانُ
48فَفِي جَوِّ الاِسْتِشْهَادِ وَالمَوْتُ فَاتِكٌوَلِليَأْسِ إِزْرَاءٌ عَلَيْهِ وَطُغْيَانُ
49تَوَلَّى عَنِ الجُلَّى مُعِدُّ رِجَالِهَافَإِمَّا غَفَتْ عَيْنَاهُ فَالقَلْبُ يَقْظَانُ
50وَإِنْ لَمْ يَرَ النَّصْرَ العَزيزَ فَرُوحُهُمِنَ المَوْطِنِ الأَعْلَى بِهِ اليَوْمَ جَذْلانُ
51وَمَا هَمُّهُ إِنْ لَمْ يُوَّفُوهُ حَقَّهُإِذَا رُدَّ حَقُّ القَوْمِ وَالبَغْيُ خَزْيَانُ
52سَلامٌ عَلَى حِفْنِيُّ إِنَّ بِلادَهُترَدِّدُ ذِكْرَاهُ وَفِي النَّفْسِ تَحْيَانُ
53إِذَا هُوَ لَمْ يُكُرَمْ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِفَمَا البُطْءُ إِجْحَافٌ وَمَا الصَّبْرُ سُلْوَانُ
54أَمَا كَانَ حُكْمُ الدَّهْرِ فِي النَّاسِ وَاحِداًوَلَمْ تَخْتَلِفْ فِيهِ شُعُوبٌ وَبُلْدَانُ
55فَقَدِّمَ مَجْدُوداً وَأَخِّرَ غَيْرَهُتَحَكُّمَ نَجْمٍ وَالفَرِيقَانِ أَقْرَانُ
56وَلَكِنَّ عُقْبَى السُّوءِ سُوءٌ مُحَتَّمٌوَمَا كَانَ إِحْسَاناً فَعُقْبَاهُ إِحْسَانِ
57بِلادُكَ يَا أَوْفَى بَنِيهَا وَفِيَّةٌمَشِيئَتُهَا تُقْضَى وَإِنْ عَاقَ حِدْثَانُ
58سَيَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ مَجْدُكَ كَامِلاًبِرَغْمِ العَوَادِي لَيْسَ يَعْزَوهُ نُقْصَانُ
59وَإِنْ تُنْسَ أَعْمَالٌ رَهَائِنَ وَقْتِهَافَلَيْسَ لِمَا خَلَّدْتَ فِي مِصْرَ نِسْيَانُ