1هدمَ الليلُ ما بناه النهارُواستكانت للظلمةِ الأنوار
2ومضى الكون يشرب الليل كأساًعبقريّا حبابه الأقمار
3واستحال الضجيج صمتاً رهيباًزحمته الأشباحُ والأسرار
4أين راح النهار كيف أتى الليلُ وفيم الإشراقُ فيم السرار
5هي حرب البقاء تنتظم الخُلق سواءً صغارهم والكبار
6وتداعت في الخافقين قلوبحين طارت في الخافقين قلوب
7عالم جامح وحظٌّ مشِتٌّوصراعُ يشيب منه المشيب
8فهنا قلب عابد الخبز والماءِ جراحٌ أحلامه وندوب
9يتنزّى دما فلا يجد الدمع يعزّى به الغريب الغريبُ
10فإذا اشتاق ما يعاف سواهفالرياض المنضرات جدوب
11وهناك المعربِدُ النشوانُقد تولّى تربيبَهُ الشيطان
12مستحيلات غيره ممكناتٌفي يديه وقوله الفرقان
13ولديه الحياة كأسٌ وحوراء وبحرٌ أمواجه ألحان
14وله الأمرُ كلما شاء أمراًوإرادات عقله سلطان
15فإذا شاء فالحياة اضطرابوإذا شاء فالحياة أمان
16قلت يا نفس إن هذا قضاءقدّرته قبل الوجود السماء
17ما أردت الوجود قبلَ وجوديوبرغمي بعد الوجود الفناء
18وأرى القصرَ توأمَ الكوخ لولاأن هذا فقرٌ وذاك ثراءُ
19وأراني لصاحب القصر نوراولو أني في عينه ظلماء
20أنا إن متُّ مات فنٌّ رفيعٌوهو إن مات طين وماء
21قالت النفس إن دنيا الأمانيهي دنيا الخلود للإنسان
22عش به تنس أنّ عمرَك ولّىفي جحيم من الهوى والهوان
23وتريك الكوخ المحطّم قصراشائع الظلِّ سامِقَ البنيان
24والكساء الرديم يمسي حريراًكسروىّ الظلال والألوان
25قلتُ والواقع المرير فقالتذاك داء يطَبُّ بالنسيان
26فطويت الأعوام والأياماحلماً رائعَ السنا بسّاما
27وجهلتُ الزمان فهو هباءٌونسيت المكان والأحجاما
28حين شفّت روحي فشاهدتُ قصراًيتحدّى جمالُه الأحلاما
29ورياضاً تُغَرد الطير فيهاوتريق الألحان تندى غراما
30وعبيداً يشدون شتّى لحونٍفي حمى القصر سجّداً وقياما
31وتبعتُ الحادي وكان خيالاعاش في عالم المنى أجيالا
32أيُّ فنٍّ سامٍ وأيُّ ابتداعٍجملّ من صاغ حسنه وتعالى
33التماثيلُ كالأناسيّ كادتتتهادى رشاقة ودلالا
34والريوم الخرساء تهتف بالرائي فيجثو أمامهنّ جلالا
35نفخ الفن روحه في حلاهاوكساها جلالةً وجمالا
36عشتُ في الفَقرِ كالأمير المطاعشاعريّ الرغاب والأطماع
37كلّ دنياي لذّةٌ وجمالٌوانبعاثٌ إلى الهوى والمتاع
38بين حورٍ عينٍ وأكواب خمرٍوأغانٍ علويّة الإيقاع
39وندامى كالزهر يرجون صفوىويخافون ثورتي واندفاعي
40قاسموني مجدي وظنّوا نعيميخالداً غير مؤذنٍ بضياع
41يا نداماي والليالي تجورُبي حنينٌ إلى البكا وشعور
42أفرِغوا أكؤس المدام فإنيكاد قلبي مما يخاف يطيرُ
43أنا أخشى انهيار مجدي وأرجوأن يقينا أحداثَه المقدور
44يا نداماي يا لقلبي وعقليها هي الأرض بالبناء تدور
45يا لقصرى إذ عربد الريح في الجوّوشقّت لساكنيه القبور
46هبّت الريح عاصفاً مكفَهرّاًفأحال القصر المُمَرَّد ذكرى
47رب ما كان ذلك القصر إلاحلماً لم يطل نعيما وعمرا
48خدعتني نفسي بما قد تمنّيتُ فهل كان ما تمنيتُ شراً
49أم تراني جبلت من طينة البؤسِ فروحي ترى الفراديس قفرا
50أم تراني نهبتُ أحلام غيريولنفسي منىً على الدهر أُخرى
51وإذا هاتفٌ يهزُّ سكونيأنت أخطأت في التمني ظنوني
52قلتُ يا نفس قالت النفس دعنيما تمنيت غير ماءٍ وطين
53ذلك القصرُ والندامى هباءٌحين تصحو على صراخِ المنونِ
54فاسم عن بهرَجِ الدنى وتطهّربألوهيّةِ الهوى والفنون
55إن في الفن قوّتي وخلوديويقيني إذا افتقدتُ يقيني
56وكما يحلُم الصبا بالغراموتهيم الزهور بالأنسام
57رحتُ أبنى في عالمِ الوهم مجديفوق ما خلّف الهوى من حطامي
58وسرَرَت بي الأوهام تخترِق الحجبَ إلى عالم من النور سامِ
59حيثُ قام الأولمب تمرح فيهآلهاتُ الأقداس والآثام
60والقرابين من بني الفنّ تزجىمن بنات الأفكار والأحلام
61يا منايَ اخلدي ويا نفسُ طيبيأصبحَ الفنّ كلّه من نصيبي
62أين لي بالإله رب الأغاريد أبولّو يملأ من الخلد كوبى
63ويتوَّج رأسي بما ضفّرتهيده من أزاهر وطيوب
64فتناهى إليّ من جانب الأفقِ نداءٌ كوسوسات الحبيب
65يا غريب الفؤاد لا قيت أهلاًإنّ ضيف الأولمب غير غريب
66رنّ هذا النداءُ في أُذُنيّاوسرى كاللهيب في أصغريّا
67فكأني مزّقتُ ثوبَ تُرابيوطويتُ السماء روحاً عليّا
68وكأني أصبحت في خاطر التاريخ معنى مجنّحا قدُسِيّا
69حين ألفيتُني أنادِمُ أحلامى رحيقَ الخلود طهرا نديّا
70وعذارى فينوس يرقصن حوليويمجّدن فنّىَ الأبديّا
71ثم يمّمن معبد الأربابحيث توّجن بالخلود شبابي
72وتغنّين للإله أبولوآيةً خلّدت على الأحقاب
73كل ما في الوجود آيات فنٍّسوف تفنى والملك للوهّاب
74غير أنّ الحياة بالفكر ربّانيَّةٌ طلقةٌ بغير حساب
75كلُّ عبدٍ فيها إلهٌ صغيرٌيتسامى ما جدّ في الأسباب
76لتمنّيت أن أعيش حياتيبين تلك الفرادس الوارفات
77بيد أن القيدَ الترابيّ أضناني فخلّفتُ عالمَ الالهات
78وهبطتُ الأرض الشقية كالناسِك يغشى مواطن الشهوات
79وبدأت الصراع في زحمة الأحياء سعيا وراء هذا الفتاتِ
80وعمادي خواطرٌ عبقريّاتٌ ووحيٌ من السماوات آت
81لم يكن يخطر الشقاء بباليلا ولا الخوف من صروف الليالي
82كنت كالطفل رقّةً وحياءًونزوعاً إلى سماء الخيال
83أحسبُ الأرض جنّتي أنا وحديلي فيها ما شئت من آمال
84فإذا جنّتي سرابٌ وآمالِيَ بيدٌ تضجُّ بالأهوال
85وإذا بي أُجابِهُ الدهر فرداًأرهقته الأيام بالأثقال
86هذه الأرض لم تزد بوجوديغير طير يسمو على التقييد
87همّه الحبّ والينابيع والوكرُ ونجوى رفيقه الغريد
88وأنا طائر الفنون فما ذنبي حتى أحيا حياة الطريد
89ألِأنّي أعيشُ للفنّ أعرىوأخو الطين ناعمٌ في البرود
90ما أذلّ الحياةَ إن كان دنبيهو زهدي في الجوهر المعبود
91روّعَت هذه التهاويلُ حسّيفاستوى عندها رجائي ويأسي
92وانتبهنا أنا ونفسي من الحُلمِ وكم ضاع فيه يومى وأمسي
93ليت يا نفسُ والحقائقُ تبكينا وجدنا في الحلم ما كان ينسى
94ليت يا خاطري ودنياي بحرٌكنت ترسي حيث الحقائقُ ترسى
95رُبَّ حلمٍ ودِدتُ لو عاش دهراًثم ولّى فكان ميلاد بؤس
96أنت يا نفسُ سرُّ هذا الشقاءشدت مجدي على أساسٍ هباء
97من سماء الخيال عدتُ لأقتاتَ ترابَ الحقيقة النكراء
98وهنا الكوخ فانعمى بحماهبجمال الطبيعة العذراء
99إن هذا الوجود قصرٌ بناه الله ما بين أرضه والسماء
100فدعيني أعش كما شاءت الأقدار حيّا بقاؤُه للفناء