1إِنَّ حـزنـي فـي أَرض بـغداد بادي
2كـــل يـــوم فــي شــدة واِزديــادِ
3ربّ أَبـدل لي قـربـهـا بـالبـعاد
4إن بـــغـــداد وهــي أم البــلاد
5كــرهــتــهـا نَـفـسـي ومـلَّ فـؤادي
6أَنـا مِـن بَـغـداد وَبَـغـداد مِـنّـي
7مـبـديـاً ضـجـرة وَمـنـهـا التجني
8وَلَقَــد ســاءَ بــالعَــواقِــب ظـنـي
9نـــجـــنــي رب نــجــنــي رب إنــي
10قَـد سـئمـت الحَـيـاةَ فـي بَـغـداد
11إنــنــي عــائشٌ بــهـا بـيـن قـوم
12ليـس مـن نـوع مـا يسومون سومي
13ليـتـهـم يـنـتـهون إذ طال لومي
14مــا أقــاسـيـه ثَـمَّ فـي كـل يـوم
15شــفّ جــسـمـي وفـتَّ فـي الأعـضـادِ
16لبَّثــتــنــي عــوائقــي تـلبـيـثـا
17فـي ديـار بـالظـلم فـيـهنَّ عيثا
18بـيـن قـوم لا يَـفـقـهـون حَـديثا
19سـاقـهـم للشـقـاء سـوقـاً حَـثيثا
20مــا بــهــم مــن جـهـالة وَعـنـاد
21كــم لهــم مــن صـحـائفٍ سـوَّدوهـا
22بـخـطـايـا مـنـهـم بـهـا خـلَّدوها
23فــتــن إن تــقــادمــت جــدّدوهــا
24كـلمـا نـارهـا انـطـفت أوقدوها
25بـــالوشـــايــات أيَّمــا إيــقــادِ
26إنــنــي فــي يــم تــلاطَــم شــرّا
27بـيـن أَمـواجٍ أزبـدت لَيـسَ يُـدرى
28أَي مــوج يَـكـون لي فـيـه قَـبـرا
29إنــمــا زورقــي تــوســط بــحــرا
30ثـار فـيـه الأمـواج كـالأطـواد
31كــل يــوم مــصــيــبــة تــتــجــدد
32ليَ فــيــهــا ومــشــكــل يــتــولد
33وعــــدوّ بــــشــــرّه يــــتــــوعــــد
34بــلدة عـفـتـهـا عـلى أنـنـي قـد
35كــان فـيـهـا لشـقـوتـي مـيـلادي
36بــلدة عــمَّ جـانـبـيـهـا الخـراب
37ما بها عن قتل النفوس اجتنابُ
38فـي حـمـاهـا الذي دهاه اغتصاب
39للعــذارى مــن الدمــاء خــضــاب
40فــي زمـان الأعـراس والأعـيـادِ
41ظـهـرت فـي عـز الجـمـال وبـانـت
42قــبــل هــذا بـأعـصـرٍ ثـم هـانـت
43وإلى الظـلم والعـذاب استكانت
44أصـبـحـت للشـقـاءِ أرضـاً وكـانـت
45فــي زمــان الرشــيـدِ أرض رشـادِ
46أصـبـحـت بـعـد ذاك بـغدادُ أرضاً
47لنــفــوس مــن الجــهــالة مـرضـى
48فـي رجـالٍ لا يـسـتـطـيعون نهضاً
49أيــن بــغــداد فـي زمـان تـقـضَّى
50حـيـث كانت بغداد أرقى البلادِ
51أيـن تـلك الآمالُ تلك الأماني
52أيـن تـلك الرياضُ تلك المجاني
53أيـن تـلك الربوع تلك المغاني
54أيـن تـلك الشبان تلك الغواني
55أتـواصـوا جـمـيـعـهـم بـالنـفـادِ
56أيـن ذهـن قـد كـان يـشـبه برقاً
57سـرعـةً فـي فـهـم الأمـور وخفقا
58حــرقــتــه نــار التــوقُّدِ حـرقـاً
59إنــك اليــوم لو تــفـتـش تـلقـى
60جــمـرة مـنـه فـي ركـام الرمـادِ
61وَيــحَ قَــلبــي فــإنـه قـد ريـعـا
62حـيـنَ سارَ الأظعان سيراً سَريعا
63عَـن ربـوع كـانـوا لهـنَّ رَبـيـعـا
64فالبسي إِذ قضوا وَبادوا جَميعا
65لهــم يــا بَـغـدادُ ثـوب الحـداد
66لا تُــقِـم بـالديـار فـهـي خـلاء
67فـارقـتـهـا الدُّمـى وعـزَّ اللقاءُ
68ارتـحـل فـالبـقـاءُ فـيـهـا شقاء
69ذُمَّ فـــي هـــذه الربــوع بــقــاء
70بــعــد ســلمــى وزيــنــبٍ وسـعـادِ
71لبـسـت مـن وشـي النـظـام برودا
72فـي زمـانٍ قـد انـقضى لن يعودا
73ليــــتـــه دام ظـــلُّه مـــمـــدودا
74هـي كـانـت للعـلم فـيـه عـهـودا
75جـاد تـلك العـهـود صوبُ العِهادِ
76إن حكم الزمان في الناس ماضي
77إنـــه لو عـــلمــت أحــكــم قــاض
78رضـى المـرءُ أو غـدا غـير راضي
79كـــل مـــلك فـــإنـــه لانــقــراض
80كــــل كــــون فـــإنـــه لفـــســـادِ
81أَهـل بَـغداد بدَّلوا الصدق زورا
82رب لا كــانَ ذنــبــهـم مـغـفـورا
83زَرَعــوا للشــرور فـيـهـا بـذورا
84أَيُّهـا الزارِعـونَ فـيـهـا شـرورا
85سـوف لا تـحـمـدون يـوم الحـصاد
86أهـلهـا لا كـانـوا هنالك أهلا
87ذهـلوا عـن طـريـقة العلم ذهلا
88وسـعـوا يـطـلبـون بـالعلم جهلا
89أيها السائرون في الجهل مهلا
90ســتــذمــون ســيــر هــذا الوادي
91مــن يـكـن عـالمـا فـليـس يُـحـقَّى
92عــلمــاءُ البـلاد أعـلى وأكـبـر
93إنـهـم كالجبال قدراً على الأر
94ضُ وإن الجـــبـــال كـــالأوتـــادِ
95بــعـد ربـي مـن كـل مـا يُـتـصـور
96بـي وإن هـان عـنـد قَومي حَياتي
97أَهــلُ بَــغـداد قـد رقـوا دَرَجـات
98فَـلَهـم بـاسـمي شهرة في الجهات
99أَنـا كـالصـفـر لست شَيئاً بِذاتي
100وأَزيـــد المـــقـــدار للأعـــداد
101سـتـثـيـر الأيـام فـيـهـا دخانا
102ويــزيــد الفــســاد آنــاً فـآنـا
103ليـت مـن كـان مـفـسـداً لا كانا
104كــلمــا جــئتــهـا لِأُصـلحَ شـانـا
105ســارع المــفــســدون للإفــســادِ
106إن نـفـسـي يـا ويـح نـفـسـي تُحسُّ
107ألمــا مــا حــسَّتـه تـاللَهِ نـفـسُ
108كــبــدٌ لي مــقــروحــة لا تــجــس
109يــا طــيــب الأدواء إنــك نَـطـس
110هـل تـداوي القروح في الأكبادِ
111قـد كـسـبـنـا عـلماً لنكسب قدرا
112ما حسبنا أن يُحسب العلمُ وِزرا
113فـي بـلاد الجـهـل أمـسـت مـقـرّا
114هـجـرتـهـا أفـاضـلُ النـاس هـجرا
115بـعـد أن كـانـت كـعـبـة القـصادِ
116أَيُّها العلم أَنتَ في الشرق نكرُ
117وأثــامٌ وَأَنــتَ فـي الغـرب فـخـرُ
118بـــك تـــؤذَى نــاس وَنــاس تــســر
119فــيـك نـفـع وَفـيـك يـا عـلم ضـر
120إنــمــا أَنــتَ جــامــع الأضــداد
121حـالة فـي بـغـداد لا تـرتـضيها
122مـذ خـلت مـن عـلومـهـا وذويـهـا
123ليـس مـنـهـا فـيـها سوى مدّعيها
124قل لمن جاء يبتغي العلم فيها
125عــطــلت مـن مـعـلِّمـيـه النـوادي
126أهـمـلوا إذ توهموا الغَيَّ رشدا
127فـي حـيـاة لهـم جـهـاداً وجـهـدا
128فـأُعـيضوا من ثروة الملك فقدا
129جـهـلوا لا هـداهـمُ اللَه قـصـدا
130أنــه فـي الحـيـاة كـل الجـهـادِ
131إن أرضــاً لهــا يــقـال العـراق
132قــبــحــت مـن رجـالهـا الأخـلاقُ
133كــل مــا فــيــهــمُ فـليـس يُـطـاق
134نـــخـــوة عــن وقــاحــةٍ ونــفــاقُ
135مـــعَ لؤمٍ وصِـــلَّةٌ فـــي تـــمــادي
136إن حــــــريـــــة الكـــــلام رداح
137تــتــفـانـى فـي حـبـهـا الأرواحُ
138غــادة وصــلهــا لغــيــري مـبـاح
139أعــلى مــن يــقــول حـقـاً جـنـاح
140ربِّ قـد طـال كـربـتـي واضـطهادي
141وعــدتـنـي قـربـاً ولم تـف وعـدا
142بل أراها تزيد في البعد بعدا
143وجـد الوحـش فـي المـعاهد معدى
144بـعـد سـعـدي إن العـدالة سـعدي
145ليـت سـعـدي مـقـيـمـة فـي بلادي
146أيـهـا العـدل أنـت أنت الحبيب
147إن عـيـشـي مـا غـبـتَ ليـس يـطيبُ
148مـا لمـن قـد دعـوتـه لا يـجـيـب
149كــل هــذا الصـدود مـنـه عـجـيـب
150أعــدَتــه عــن الوصـال العـوادي
151جــئت يــومــاً إلى حِــمــاه أخــبُّ
152فـسـبـانـي مـنـه الجـمـال الأحبُّ
153فـإليـهِ مـا زلت مـن ذاك أصـبـو
154وله انــقــادَ فــيــه مِــنّـيَ قـلب
155كـان لولا الغـرام صعب القيادِ
156فــاق مــنـه الجـمـالُ كـل جـمـال
157لســت أدري وحــبُّهــ شــغـل بـالي
158البــــخــــل قـــد صـــد أم لدلال
159أنــا فــي حــبــه مـريـض فـمـالي
160لا أراه يــــجــــئ فـــي عـــوَّادي
161إن ذاك الحـبـيـب جـمُّ المـحـاسن
162حـبـه فـي غـيـابـةِ القـلب كـامن
163وهـو صـعـب الحـصـول غـير مواطن
164يـطـلب النـاسُ أن يـنـالوه لكـن
165دون مـا يـطـلبـون خـرطُ القـتادِ
166ليــس فـيـكـم لا درَّ درُّ أبـيـكـم
167مـن يـحـامـي عـن حـوضكم ويقيكم
168فـأمـلوا ذاك فـي ذراري بـنيكم
169واصـبـروا ربـمـا سـيـولد فـيـكم
170رجــل بــاســل طــويــل النــجــادِ
171إنــمــا حــادث الليـالي مـوالي
172للأَعـادي مـا للأعـادي وَمـا لي
173كـيـدهـم فـوق طـاقَـتي واحتمالي
174ارحـمـيـنـي يا حادِثات اللَيالي
175لا تـعـيـنـي عـليّ كـيد الأعادي
176أَنـتَ يـا عـدل كـالضـيـاء وأجملْ
177مــا لآسٍ إلا عــليــك المــعــوّل
178بـــك أحـــلام لَيــلنــا نــتــأول
179أَيُّهـا العـدل إنـمـا أَنـتَ للقـل
180ب مــــراد وَفــــوق كــــل مــــراد
181أَيُّهـا العـدل أَنـتَ بـدر التَمام
182قَـد تـوارى لَيـلاً وَراء الغـمام
183أَبـدُ كـيـمـا تـشـقَّ جـيـب الظلام
184كَــم كِـرام تـحـت التـراب نـيـام
185يـشـبـهـون السـيـوف في الأغماد
186ربِّ أنـت الخـبـيـر أنـت اللطـيف
187ربِّ إنــي كــمــا عــلمــت ضــعـيـفُ
188ربِّ إن الســـجـــون ربِّ تـــخـــيــف
189ربِّ يــا ربِّ إن جــســمــي نــحـيـف
190ليــس لي طــاقـة عـلى الأصـفـادِ
191ويـح نَـفـسـي مِـمّـا تعانيه نَفسي
192إن يَـومـي فـي بـؤسـه مـثل أَمسي
193أَنــا بــالمــوت وحــده مــتـأسـي
194عــل عَــيـنـي إذا تـبـوأت رَمـسـي
195تَـسـتَـطـيـب الرقـاد في الألحاد
196ليَ فــي كــربــتـي سـبـات عـمـيـقُ
197أنـظـر المـوت حـيـن مـنـه أُفـيق
198مـثـلمـا يـنـظـر الصديقَ الصديق
199إنــــه وحــــده عَـــلَيَّ شـــفـــيـــق
200ســيـنـجـيـنـي مـن ذوي الأحـقـادِ
201للمـنـايـا لو يـعلم المرء فضل
202إذ بها من همومها النفس تخلو
203يـــتـــســـاوى هـــنـــاك عـــزّ وذل
204إن طول الرقاد في القبر يحلو
205لي بـعـد العـنـا وطـول السـهادِ
206المَـنـايـا لطـف فلولا المَنايا
207خـلدت فـي الشقاء هذي البَرايا
208بـالمَـنايا انقضاء كل القَضايا
209فـي المَـنـايـا نـهـاية للرزايا
210للمَـنـايـا عَـلى البرايا أَيادي
211قـل لمـن مـات ثـاويـاً قَـرَّ عينا
212إنــك الآن قــد تــأَدَّيــت ديـنـا
213حـيـن لاقـيـت فـقـي كروبك حَينَا
214إن للمـوت فـي الكـروب عـليـنـا
215مـنـنـاً كـالأطـواق فـي الأجيادِ
216ليَ ظـــن أو أنـــهُ بـــعـــض وهــم
217يــذهــب الفـيـلسـوف مـنـه لذمـي
218أن ســيـرقـى روحـي لألمـع نـجـم
219وسـيـبـقـى في وهدة القبر جسمي
220هل إلى الجسم حاجة في الوهادِ
221ليــس فـي فـسـحـة المـجـرة ضـيـق
222إنــهــا للأرواح نـعـم الطـريـقُ
223هـل لنـفـسـي إذا تـعـالت مُـعـيق
224نــظــرٌ لي إلى الســمـاءِ عـمـيـق
225يــتــحــرى نــهــايــة الأبــعــادِ
226حـيـن يـهـتز في الفضاءِ الأثير
227أيــن تــمــضـي أمـواجـه وتـسـيـرُ
228لســت أدري وهــل بــذاك خــبـيـر
229أَعـلى الروح فـي الثـريـا أمير
230مـثـلما في الثرى على الأجسادِ
231حُـسـنُ هذي النجوم يا روح يقضى
232إن فـي الجـو مـرتـقـى لك يُـرضى
233بـعـضـهـا فـي نـظـامـها فوق بعض
234إنــمــا نــحــن ســاكــنـون بـأرض
235هــي أدنــى مــراتــب الإيــجــادِ
236ارتـقـى يـا نـفس ارتقى للسماء
237والحـقـى بـالشـعـري وبـالجوزاءِ
238ثـم بـيـنـي للأرض بـعـد المساء
239مــثــل نــجــم مــغــلفٍ بــضــيــاء
240هـو للمـدلجـيـن في الليل هادي
241لا تـلاقـيـن فـي السماء خصوما
242لا ولا ظــالمــا ولا مــظـلومـا
243ليــس عـيـشٌ فـي جـوِّهـا مـذمـومـا
244إن فـي أعـمـاق السـمـاء نـجوما
245سـابـحـات سـبـحـاً بـغـير استنادِ
246سـبـحـت فـي الفـضـاء عرضاً طولا
247ســاقـهـا سـائقٌ لهـا أن تـجـولا
248مـعـقـبـات بـعـد الطـلوع أفـولا
249يـقـرأُ الفـيـلسـوف فـيها فصولا
250مــن كــتــاب الدهــور والآبــادِ
251كــل نــجـم مـنـهـا بـدون شـبـيـه
252دائر فــي بــعــدٍ بــوجــه وجـيـهِ
253فــلك جــاز كــل عــقــلٍ نــبــيــه
254المـبـادي مـثـل النـهـايات فيه
255والنـهـايـات فـيه مثل المبادي
256رُبَّ نــاهٍ فـي مـصـر وهـو خـليـلي
257حــاســب دجــلةً كــوادي النــيــل
258عـاذل لي عـلى البـكـا والعويل
259مـا لديـه عـلم بـخـطـبي الجليل
260أنــا فــي واد والعـذول بـوادي
261أنــتـم النـاس أيـهـا السـعـداء
262مـــا أصـــابــت بــلادكــم ضــراءُ
263لكــم الروح إن قــبــلتـم فـداء
264مــا عــليــكــم وأنــتــم قــدراء
265لو مـددتـم لنـا يـدا الإسـعـاد