قصيدة · الطويل · قصيدة عامة

ألا إنما هذا الذي لك أنقل

جميل صدقي الزهاوي·العصر العثماني·102 بيتًا
1ألا إنما هذا الذي لك أنقلله مثلما أرويه أصل مؤصَّلُ
2قضى أحد الضباط في الحرب نحبهوكانإذا دارت رحى الحرب يبسُل
3وخلَّف زوجاً قلبها رهن حبهوكان له قلب بها متشغِّل
4من اللاء لم يأتين فاحشة ولازُنن بما منه العقائل تخجل
5نوار كشخص للعفاف مجسمفإن ذكر الناس العفاف تمثل
6ترقرق ماء الحسن في وجهها الذيهو البدر ليل التِمِّ أو هو أجمل
7فجلَّ لفقدان الوليّ مصابهاوباتت تناجي الهم والعين تهمل
8وقد كان منها الخد كالورد زاهيافأصبح ذاك الورد بالهم يذبل
9ولازم حمى الدق ناعم جسمهافأمست على رغم الشبيبة تنحل
10ويعرق منها الجسم في كل ليلةوتنفث من سُل دماً حين تسعلُ
11وأنشب في أحشائها الداء ظفرهفظلت له أحشاؤُها تتبزل
12سقام بها أعيا الأطباء برؤهإذا لم يعنها اللَه فالأمر مشكل
13أمكروب داءِ السل هل أنت عارفلمن أنت تؤذي أو بمن أنت تنكل
14أرحها فما أبقيت إلا حُشاشةبها حكمها عما قريب سيبطل
15تجنب فقد مزقت أحشاء صدرهاأَأَنت بها حتى الممات موكل
16وفسّح لها في العمر وارحم شبابهافإنك إن أرجأتها أنت مفضل
17لكِ اللَه من مسلولة حان حينهاوعما قليل للمقابر ترحل
18وفاجأَها فقر فباعت لدفعهِأثاثاً به قد كانت الدار تجمل
19إلى أن تخلى البيت من كل ما بهولم يبق فيه ما يباع ويُنقل
20تجانبها الأدنى وكل لداتهاوأعرض عنها جارها المتمول
21هنالك أبدى الجوع ناجذه لهاوزاد بها الداء الذي هو معضل
22فخارت قواها في غضير شبابهاوحارت فلم تدر الذي هي تفعل
23كذلك جسم المرء يأكله الطوىإذا المرء لم يلف الذي هو يأكل
24فسارت على ريث تؤمُّ محلَّةترجِّى بها خيراً لها وتؤمل
25وتزجي لها طفلاً جميلاً أمامهاكما تستحث الخِشف ادماء مغزل
26لقد أضعف الجوع المبرِّح خطوهفسار وفي أحشائِه النار تُشعل
27يحور إليها بالبكاء فتنحنيعليه وتُسلى قلبه وتقبل
28وتمسح عينيه اللتين أذالتادموعاً على الخدين منه تسلسل
29تحاول أم الطفل منع دموعهولكنها رغما عن الأم تهطلُ
30خبير بقصر الأم يشكو لها الونىبعينيه إلا أنه ليس يسأل
31تروح إلى دار الحكومة تبتغيمعاشاً لها مستأخراً ليس يحصل
32ريالان بعد الزوج قد رُتبا لهاوذلك نزر ليس بالعيش يكفل
33تقول لذي أمر على المال سيديإليك بجاه المصطفى أتوسل
34أنلني معاشي اليوم وارحم فإنناجياع إذا لم نُعطَ من أين نأكل
35فأوسعها شتما ورد سؤالهاوقال لها موتي طوى لست أبذل
36فعادت على يأس لها ملءَ قلبهاوقد خنقتها عبرة تتغلغل
37أمالك أمر المال إنك زدتهاسقاماً على سقم أقلبك جندل
38ألم ترَ أن السل أنحل جسمهاوحملها الإعواز ما لا تحمل
39منكدة قد طالبتك بحقهافلو كنت تقضي سؤلها كنت تعذل
40وآبت إلى المأوى فباتت على طوىتكابد طول الليل والليل أليل
41وأعوزها زيت تنوِّر بيتهابه والدجى سجف على الأرض مسبل
42فجرَّ إليها الليل أجناد همِّهاإذا فرَّ منها جحفل كرَّ جحفل
43تقول ألا مالي أرى الصبح مبطئاًوعهدي به في سالف الدهر يعجل
44فيا ليل ما أدرى وقد طلتَ داجياًأعتبي على الأيام أم أنت أطول
45ألا ليت أمي لم تلدني أو اننينفتني المنايا قبل أنيَ أعقل
46برمت بمالي من حياة فإنهاشقائي وإن الموت منها لأفضلُ
47حياة أمرَّتها الرزايا كأنمايمازجها منهن صاب وحنظل
48وعتبي على الأقدار فهي بما جرتبه لم تكن أستغفر اللَه تعدل
49فيا موتُ زر إن الحياة تعاسةويا نفس جودي إن دهرك يبخل
50وما سفري إن متُّ ينأَى وإنماإلى بطنها من ظهرها اتنقل
51ألا إن بطن الأرض للمرء منزلكما أن ظهر الأرض للمرء منزل
52ولم أرَ بين المنزلين تفاوتاًسوى أن ذا أعلى وذلك أسفل
53ولا مثل بطن القبر دار عدالةتساوى بها حالا رؤوس وأرجل
54ولست على الشكوى أدوم إذا دناحمامي إلا ريثما اتحوَّل
55ولكن روحي للسماء رقيهاهنالك من نجم لنجم تجول
56إلى أن تلاقي روح زوجي صادقفتتصل الروحان والبين يخجل
57فلو أبصرت روحي على البعد روحهإذاً لمشت روحي إليه تهرول
58تقبل روحي روحه وتشمُّهوتشكو إليه ما بها كان ينزل
59وتمسك بالأيدي بفضل ردائهوما أن تخلِّى بعد للحرب يرحل
60وقولي له يا روح بعدك عيشناتعسر حتى كاد لا يُتَحمَّل
61أصبح من قد كان بالأمس سائلاًبأحوالنا عما بنا ليس يسأل
62تجنبنا الأدنى ومن كان صاحباًومن كان يطرينا ومن كان يجمل
63وخرّى على أقدامه وتذلليله أن من يبدي الهوى متذلل
64وفي فمها بان ابتسام كأنهاتشاهد شخص الزوج فيما تخيَّلُ
65تراه قريب الأرض في الجو ثابتاًفلا هو يستعلي ولا هو ينزل
66فمدت يداً نحو الخيال مشيرةإليه وقالت وهي في البين تسعل
67بربك أنبئني أإنك صادقيقد ازدرت أم أنت الخيال الممثل
68فإن كنت إياه فقل غير كاتملماذا لماذا أنت لا تتنزل
69أصادق أنت السؤل للنفس فاقتربوأنت لها أنت الرجاء المؤمل
70فإن كان لي ذنب به عفتَ مسكنيفإني لذاك الذنب بالدمع أغسل
71إذا ذكرتكَ النفس جاشت صبابةوفار عليها من غرامك مِرجل
72تبدَّل مني كل شيء عهدتهولكنما حبيك لا يتبدل
73فهل أنت في حبي كما كنت سابقاًوقلبك كالقلب الذي كنت تحمل
74إذا كنت عني أنت وحدك راضيافكل صعوبات الحياة تسهل
75هلم إلى جنبي فإني مريضةبحمى قوى جسمي بها تتزلزل
76وسارع وأحضر لي طبيباً مداوياكما كنت قبلا إن تشكيتُ تفعل
77ولكنني أخطأت فيما طلبتهذهولا ومن قاسى الحوادث يذهل
78فإني لا أبغي سواك مداوياًفأنت طبيبي والشفاء المؤَمل
79أقم عندنا لا ترحلّن فإن تُقمفكل نحوسات الزمان ترحل
80نعيش كما كنا نعيش بغبطةونمرح في ثوب السلام ونرفُل
81فحينئذٍ لا حادث يستفزِّناولا أحد بيني وبينك يفصل
82وغاب فقالت آه بل أنت ميتولكنما روحي إليك ستقبلُ
83وحانت لصوب الطفل منها التفاتةفقالت وفياضٌ من الدمع مهمل
84ولكن صبِّي من يقوم بأمرهإذا زارني حتفي الذي أتعجل
85أَأَترك من بعدي صغيري أحمداًوحيداً بلا حامٍ بهِ يتكفل
86وأحمد ريحاني فإن أَبتعد فمنيشممه بعدي ومن ذا يقبل
87أليست تكاليف الحياة التي لوتجناحي على طفل كأحمد تثقلد
88وأغمى من جوع على الطفل أحمدٍفصاحت أغث ربي عليك المعول
89أطلَّت عليها جارة ذات عيلةلتعلم من في ظلمة الليل يعول
90ونادت من الباكي كذا بحرارةوذيل الدجى الضافي عَلَى الأرض مسدل
91أجابت بصوت راجف متقطعوقالت أنا يا هذه أنا سنبل
92جعادة إن ابني تُغَيَّبُ نفسهمن الجوع إن الجوع ويلي يقتل
93جعادة إن ابني الوحيد هو الذيبهِ في ليالي وحدتي أتعلل
94جعادة أن الأمر جدٌّ فأدركيوللجار حق واجب ليس يغفل
95فجاءت إليها بالسراج وَنبَّهتقوى الطفل حتىّ عادَ يَرنو وَيعقل
96سقته حليباً كان ملءَ ثديِّهافنام وباتت أمه تتململ
97وتذرف عيناها الدموع وقلبهاتظلُّ به الأحزان تعلو وتسفل
98إلى الصبح حتى بان فانطلقت إلىمحلِّ بهِ أهل المبرة تنزل
99عليها ثياب رثة وملاءةكأحشائها في كل آن تبزل
100تكفكف دمعاً بالبنان وكلمامشت خطوة أو خطوتين تمهل
101تمد يميناً بالسؤال ضعيفةوتخجل منهم عند ما هي تسأل
102أأرملة الجندي لا تخجلي فمنحقوق العلى أن الحكومة تخجل